• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

تساعد على التهوية وتكسر الضوء

البلور والزجاج.. صناعة عالية الدقة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 04 يوليو 2016

مجدي عثمان (القاهرة)

تُعرف المشربية في بعض بلدان العالم الإسلامي باسم «روشن أو روشان» تعريباً للكلمة الفارسية «روزن» وتعني الكوّة أوالنافذة أو الشرفة.

ويذكر علماء الفنون الإسلامية أن كلمة المشربية محرَّفة من مشربة، بمعنى الغرفة العالية أو المكان الذي يُشرب منه، حيث كان يوضع في خارجات صغيرة بها أواني الشرب الفخارية -القُلَل- لتبريد المياه بداخلها، وربما يؤكد ذلك حِرْصَ الصنَّاع على وجود موضع للقُلَل بأرضية المشربية، وقيل إن المشربية تحريف ظاهر لكلمة «مشرفية» أي التي تُشرف منها النساء على الطريق، أو لكونها طاقة خارجة تشرف على الطريق، وهناك رأي ثالث يرى أنها سُمِّيت بالمشربية لصناعتها من خشب يُعرف بالمشرب، وهو نوع من الخشب الجيِّد يتميَّز بصلابته وتحمله لحرارة الشمس والعوامل الجوية.

والمشربية من فنون العمارة الإسلامية التي أبهرت فناني الغرب، فضمتها رسومهم أمثال «بيرس دافن وديفيد روبرتس» في كتاب وصف مصر، كما ذكرها إدوارد لين في كتابه عن الاستشراق فقال «أما الغرف العلوية فنوافذها تبرز بمقدار قدم ونصف وأكثر، وأغلبها مصنوع من الخشب المخروط المشبك». كما قال المعماري الراحل حسن فتحي: إذا تكلمت عن المشربية يتهمونك بالتأخر، وأنك تريد العودة إلى عصر الحريم، فلا أحد يقدر قيمة المشربية.

وتستعمل المشربيات، التي هي معالجة مصرية إسلامية، في الجزء السفلي من السكن لكسر حدة الضوء وتوفير الخصوصية، أما الأجزاء المرتفعة فتستعمل لها مشربيات أوسع تساعد على التهوية، والوحدات المختلفة لتلك المشربيات لا يمكن تكبيرها أو تصغيرها.

وقد وصل فن المشربية، الذي اشترك العامل الدينيُّ والبيئيُّ في الإيحاء بابتكاره، درجة كبيرة من الإتقان في مصر خلال العصر المملوكي، ويظهر ذلك بوضوح في القاطوع الخشبي المنقول من مدرسة السلطان حسن إلى متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، وفي مجموعة المشربيات في منزل زينب خاتون وقصر المسافر خانة وبيت الهراوي وغيرها، إلا أن أجمل نماذجه تظهر في منازل القاهرة ورشيد وفوه التي ترجع إلى العصر العثماني، كما كانت المشربيات أو الرواشين عنصراً مميزاً في العمارة الحجازية وبخاصة في ينبع، التي بلغت فيها من الكثرة بحيث يتصل بعضها ببعض، وفي بلاد اليمن وبصفة خاصة مدينة صنعاء وما حولها، فقد استعمل بها طراز يمني قديم مصنوع من الحجر وليس الخشب، حيث لم تعرف اليمن المشربيات الخشبية إلا في القرن 11ه/17م، بتأثير من الفن العثماني.

وتُعتبر المشربيات من أهم المعالجات المعمارية للبيئة المناخية في البلاد الإسلامية ذات المناخ الحار، فقد ساهمت في تلطيف حدة الضوء وما تعطيه من تهوية جيدة، كما أنها تقلل من نسبة الأشعة المارَّة من خلالها وتكسرها، فتدخل غرف المنزل وقاعاته هادئة، وتساهم المشربية أيضاً في ضبط مرور الضوء من خلال التخفيف من حدة أشعة الشمس، فمن خلال أحجام وحدات الخراط الخشبي للمشربية والفراغات الموجودة بينها يتم التحكم في مرور الضوء، وقد أوضحت بعض القياسات التي أجراها أحد الباحثين على مشربية بقاعة الحريم ببيت السحيمي مدى تأثير الخراط الخشبي الموجود بالمشربية على تقليل شدة الإضاءة داخل الحجرة. وفن المشربية بُنى على نظام اقتصادي فني، فطريقة الخرط نفسها تقوم على توظيف القطع الصغيرة من الخشب المتبقية من خشب الأسقف والأبواب والنوافذ وغيرها من وحدات البناء ويستغلها الصانع الماهر في تصنيع المشربية، وذلك بخرطها وتجميعها، والتي تزخر في النهاية بالزخارف النباتية والهندسية، وأحياناً برسومات لبعض الطيور، وبعض الكتابات مثل «الله، بسم الله الرحمن الرحيم»، وهذا يتماشى مع الحالة الاقتصادية للبلاد الإسلامية التي تفتقر للأنواع الجيدة من الخشب فتستورده من الخارج.

وقد بدأ ظهور المشربية في القرن 6 ه/13م، إبّان العصر العباسي، واستمر استخدامها حتى أوائل القرن العشرين الميلادي، واستخدمت في القصور وعامة المباني على نطاق واسع، حيث ظهرت المشربية في العمارة الإسلامية مرتبطة بالخصوصية، وأخذت أشكالاً عدة، وتطورت تطوراً كبيراً، ففي القصور أخذت شكل المقصورات التي تطل على»التختبوش»، وهي الجلسات الخاصة حول الحديقة الداخلية بنافوراتها وطيورها، والمقصورة قد تكون مثلثة الشكل أو مربعة أو مستطيلة أو دائرية، وتظهر في الوكالات والخانات التي لا زالت موجودة حتى الآن كوكالة الغوري ووكالة بأزرعة في القاهرة. وقد بلغ فن المشربية أوج استخدامه خلال العصر العثماني، حيث وصل إلى أرقى مظاهر تطوره، وانتشاره في العراق والشام ومصر والجزيرة العربية، ارتباطاً بالوظيفة والجمال معاً، ولذلك ظهرت أنماط وأشكال مختلفة من المشربيات، تبعاً لنوع الخشب المستخدم وإتقان حرفة تشكيل الخشب وتجميعه، إلا أنها جميعاً تشترك في أصل واحد وطريقة عمل واحدة، فمن المشربيات المغلق والمفتوح، والنوع الأخير بمثابة شرفة تطل على الشارع أو الفناء، وكانت النقوش الخشبية تترك مفتوحة بحيث تسمح بدخول الهواء والضوء، أما النوع المغلق فكانت زخارفها تبطن بالزجاج وتجعل فيها نوافذ تفتح عمودياً.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا