• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

غالبية المسلمين في غرب أوروبا باتوا يشعرون بأنهم بين فكي كماشة، فهم يعانون تنامي كراهية الإسلام من جهة، وبين تصاعد التشدد الديني في أوساطهم.

مسلمو فرنسا.. خطر «الإسلاموفوبيا»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 25 مارس 2015

لا يبدو على ملامح الطبيب المسلم في مدينة «فينس» الفرنسية غير البعيدة عن العاصمة باريس سمت المسلم كما هو متداول لدى الفرنسيين، فهو ببشرته البيضاء وذقنه الحليق لا يختلف كثيراً عن الفرنسيين الآخرين، حيث يستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية الغربية ويضع نسخة من كتاب «رسالة في التسامح» لـ«فولتير» على مكتبه، بل أحياناً ينسى مراجعوه المرضى هويته لينخرطوا في التلفظ بإساءات غير مقصودة، وهو بالفعل ما اتضح من تعليق أحد المرضى، الذي دأب على زيارة طبيب لعشر سنوات، قائلاً عن المسلمين «لا أشعر بالارتياح معهم، ولا أعتقد أنهم يجب أن يكونوا هنا». لكن الطبيب واسمه، «كريم بن سالم»، الذي عاش في فرنسا نصف عمره تقريباً والنصف الآخر في الجزائر قبل أن يضطر للهرب من أعمال العنف التي شهدتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي، يقول «لا تستطيع أن تدرك من ملامحي أني مسلم، لذا لا ينتبه الناس أحياناً عندما يتلفظون بتعليقات غير لائقة أمامي»، هذه التعليقات أضحت أكثر حضوراً اليوم في المشهد الفرنسي بعد أكثر من شهرين على العملية التي شهدتها باريس وأدت إلى مقتل 17 شخصاً، وبالنسبة للعديد من المسلمين الذين يبلغ تعدادهم في فرنسا نحو خمسة ملايين نسمة، مشكلين غالبية المسلمين في غرب أوروبا، فقد باتوا يشعرون بأنهم بين فكي كماشة، فمن جهة يعانون من تنامي كراهية الإسلام، أو الإسلاموفوبيا، وبين تصاعد التشدد الديني في أوساطهم.

والحقيقة أن القوتين يتغذيان على بعضهما بعضاً، ويسيران بالتزامن، كما أنهما على النقيض تماماً من الشعار الذي رفعه ملايين الفرنسيين في المسيرة التي أعقبت حادثة «شارلي إيبدو»، محيلا على المبادئ الأساسية للجمهورية الفرنسية متمثلة في الحرية والمساواة والإخاء، غير أن الضاحية التي تتواجد بها عيادة كريم بسالم الطبية بشوارعها الفسيحة ومقاهيها الراقية تظل بعيدة نسبياً سواء عن التشدد الديني لبعض المسلمين، أو عن مشاعر كراهية المسلمين لدى بعض الفرنسيين، وإن كان المتجر اليهودي الذي تعرض للهجوم لا يفصله عن عيادة الطبيب سوى مسافة قصيرة، بل إنه في أعقاب الهجمات أكد سكان الحي أن العلاقة بين المسلمين واليهود والمسيحيين أصبحت أمتن وأقوى. لكن وكما يعرف ذلك «بن سالم» جيداً من خلال تجربته الشخصية لم يسلم حيه الراقي الذي يمارس فيه مهنته من مشاعر الكراهية تجاه المسلمين، والتي تكاد تعم فرنسا في الوقت الحالي، فيما ينشط التطرف الديني في الأحياء الهامشية، حيث يسقط الشباب سريعاً في إغواء التشدد والدعوة للسفر إلى الخارج والانخراط في الصراعات، وعن هذا التنامي الملحوظ لمشاعر الكراهية تجاه الإسلام والمسلمين يقول عبد الله زكري، مدير «المرصد الوطني الفرنسي ضد كراهية الإسلام»، «كانت دائماً هناك عنصرية ضد المهاجرين، لكن اليوم يستغل المتطرفون على الجانبين الأجواء المتوترة الحالية بعد الهجمات لتأجيج الصراع داخل المجتمع الفرنسي».

وقد سجل المرصد في شهر يناير الماضي، وهو الشهر الذي وقعت فيه الهجمات، 214 حالة متفرقة من الحوادث المعادية للمسلمين، وهو أكثر من العدد المسجل في 2014، لتشمل اعتداءات جسدية وتهديدات باستئصال المسلمين من فرنسا وإلقاء رؤوس الخنازير على المساجد، ورغم تراجع هذه التصرفات خلال الشهر الماضي بفضل تشديد الشرطة الفرنسية لإجراءاتها الأمنية لحماية المواقع الإسلامية، إلا أنه عموماً تظل مشاعر الكراهية تجاه المسلمين منتشرة في فرنسا، يدل على ذلك استطلاع الرأي الذي أجراه مؤخراً معهد «بيو»، حيث أعرب 27 من المستجوبين أنهم يتبنون مواقف سلبية تجاه المسلمين، متجاوزاً بثلاث مرات من قالوا الأمر نفسه بشأن اليهود. ومع أن المسلمين آثروا البقاء في فرنسا، خلافاً لليهود الذين ارتفعت نسبة هجرتهم إلى إسرائيل، إلا أن شعور المسلمين الفرنسيين بالاغتراب في بلدهم يظل أمراً واقعاً مع تنامي شكاوى المسلمين من التمييز ضدهم في العمل، واستهدافهم من قبل الشرطة وتشويه صورتهم في وسائل الإعلام والسياسة، هذا الشعور بالاغتراب عبر عنه «نجيم حكيم»، المهاجر الجزائري المقيم في فرنسا، قائلاً «هناك عنصرية متزايدة نلمسها يومياً في فرنسا، وعندما تشاهد التلفزيون لا ترى سوى الصورة السلبية عن المسلمين»، مضيفاً «إذا قررت الخروج مع زملائك في العمل وقلت لهم إنك لا تشرب الكحول، ولا تأكل لحم الخنزير، يبدون امتعاضهم».

جريف ويت - فرنسا

ينشر برتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا