• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

دفاتر التنوير

عبدالله القصيمي.. الكينونة الإنسانية في رحابتها

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 01 يوليو 2016

نوف الموسى (دبي)

ذهب الحيز الأكبر من الاهتمام البحثي برحلة المفكر السعودي عبدالله القصيمي (1907 - 1996)، نحو الجدل العربي بين استمراره وإيمانه بما طرحه، في فضاءات التعبير الفكري تجاه الذات والإنسانية وتحرير مفهوم الأخلاق، وبين رجوعه وتخليه عن رؤيته المتجددة للحياة، النابعة من تجربة عميقة ومعايشة للدين الإسلامي، ساهمت في نقل تراتيبه الفكرية إلى مستويات تناقش الدين وسلوكيات الفرد، ضمن منظومة مجتمعية، مستخدماً طرحاً وجودياً في كيفية تفكيك التراكم الذهني غير الواعي لدى المتلقي.

وظلت التأكيدات التي صرح بها أغلب المقربين من المفكر السعودي عبدالله القصيمي، ترجح كفة بقاء المفكر على مواقفه الفكرية حتى الأيام الأخيرة، قبل رحيله، والتي واجه بها القوى السلفية، والأنظمة السياسية، إلى جانب حواراته مع رموز التنوير والنهضة، ما نتج عنه إصدارات عديدة، أبرزها «العرب ظاهرة صوتية»، والتي تقودنا مجدداً إلى إعادة السؤال بعد كل تلك السنوات الماضية من مكاشفات القصيمي الجادة والصادمة، توازياً مع المشهد العربي والإسلامي الحالي، مفاده: هل لا يزال العرب ظاهرة صوتية؟!

يلفت الكاتب عبد الواحد مفتاح عبر مقالة بعنوان «عبد الله القصيمي الطائر النادر»، أن كتاب «العرب ظاهرة صوتية» شكل أبرز الإصدارات التي مثلت نقطة تحول كبرى في مسار القصيمي الفكري، الذي تلقّفه كثيرون بدهشة بكر. وفي الطرف الآخر بجدال – قديم جديد – حول مشروعية أي نقد للخط العام للفكر العربي الذي تنخره التقليدانية، ويشوبه العجز المدقع عن أي إبداعية مؤثرة. وهذا ما يقف عند ضفافه مشروع عبد الله القصيمي: المسلمون اليوم يقفون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يستفيدوا من التراث العلمي للبشرية أو أن يبقوا متخلفين جهلة، ولكي يتخلصوا من الركود الذي هم فيه، ما عليهم إلا أن يعرفوا أنه لا يوجد معرفة ضارة ولا جهل نافع، وأن كل الشرور مصدرها الجهل وكل الخير مصدره المعرفة.

«الإلحاد».. هو التهمة الجاهزة في المجتمعات ذات الارتباط غير الواعي بماهية الدين، فكل فكر مغاير يطرح (الله) كرؤية فلسفية، يواجه أزمة تفسير وتكفير، وينبغي التنبه إلى أنه وإن أعلن بعض المفكرين خروجهم عن الثوابت الدينية والمجتمعية على مستوى الطرح الفكري، فإن إعادة اكتشاف ما توصلوا إليه أو إدراك تجربتهم مع الكون، تمثل فائضاً من استثارة للعقل والحاجة لقراءته وفهمه، وتساهم في الدفع باتجاه تحقيق تجديد فعلي نحو فهم الذات البشرية، فالإشكالية الأهم، هي الفجوة بين التجربة والمعرفة، وليست في روح الأديان نفسها. أن تجرب الدين، ليس مثل أن تتعلمه، وأعتقد أن ما يتفرد فيه المفكر السعودي عبدالله القصيمي، والكثير من المفكرين في تحرير المسألة الدينية والأخلاقية، هو خوضهم لتجربة الصراع العميق مع الذات، والتي تتضح في تفصيلات كتاباتهم القائمة على المقاربات الوجودية والاجتماعية لحيز النمو الروحي للإنسان.

يأخذ الكاتب مروان العلان على عبد الله القصيمي أنه «لم يضع رؤية مكتملة لموقف فكري أو سياسي يطلب فيه من قرائه الإيمان به أو الالتزام بقواعده، وإنما اعتمد الاحتجاج الصارخ والرفض الحادّ المباشر للمعتقدات الغيبية تاركاً القارئ في حيرة من أمره، ولا يقدّم له البديل»، وعملياً يُمكن رؤية القصيمي، في الطرح السابق، باعتباره المفكر الذي يبحث عن خيارات واسعة تتجاوز الأطر الدينية في فهم الكينونة الإنسانية، دونما توجيه، والتي تؤدي بدورها كفكر إلى إحداث التأثير، وتحريك دفة مفكرين آخرين للبحث عن بدائل.

كتب داود الشريان، عبر صحيفة إيلاف، مقالاً بعنوان «خمسون عاماً مع عبدالله القصيمي»، واصفاً فيه سيرة عبدالله القصيمي التي اشتملت على كل الآراء والأفكار التي تناولتها كتبه. ولعل من الآراء اللافتة رأيه بالثورات والثوار السياسيين، وهو يصف الثائر السياسي بقوله: «الثائر إنسان يحوّل طموحه ونقائصه وهمومه الخاصة إلى تعبيرات اجتماعية حاقدة». ويضيف: «فالثائر ليس إلا لصاً أو قاتلاً أو تاجراً اضطرّته الظروف، أو اضطرّه النصر إلى أن يغيِّر سحنته ويخفي ذاته وملامحه الحقيقية». مضيفاً أن القصيمي أفضل من فسّر ظاهرة الإرهابي، على رغم أنه لم يسمِّها. وهو قال: «وأما الشجاعة فهي أن تكون جباناً جداً حتى لا تستطيع أن تجسر على عصيان تعاليمك وتاريخك وطغاتك، حينما يدفعون بك إلى أن تقتل نفسك، وتقتل أيضاً أبرياء مغلوبين مثلك، دفع بهم جبنهم إلى أن يكونوا شجعاناً على قتلك وقتل أنفسهم لأنهم ليسوا شجعاناً على عصيان تاريخهم وطغاتهم وتعاليمهم الآمرة لهم بأن يموتوا دون أن يعرفوا لماذا، أو يسألوا ما الثمن».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا