• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

دين الهدى

الغلو والتطرف.. انحراف عن الوسطية والطريق المستقيم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 01 يوليو 2016

أحمد شعبان (القاهرة)

الإسلام منهج وسط في كل شيء في التصور والاعتقاد، والتعبد والتنسك، والأخلاق والسلوك، والمعاملة، وهذا المنهج هو الذي سماه الله (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وهو منهج متميز، والوسطية إحدى الخصائص العامة للإسلام، وإحدى المعالم الأساسية التي ميز الله بها أمته عن غيرها (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، «سورة البقرة: الآية 143»، فهي أمة العدل والاعتدال، التي تشهد في الدنيا والآخرة على كل انحراف يميناً أو شمالاً عن خط الوسط المستقيم.

يقول الدكتور عبد الفتاح عاشور أستاذ التفسير بجامعة الأزهر: الغلو معناه مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده، أو ذمه على ما يستحق، ومنه التطرف، ويطلق على تجاوز حد الاعتدال، إذا لم يتوسط، وقيل الغلو هو المبالغة في الشيء ومنه الغلو في الدين، ومن معانيه الميل والانحراف عن الطريق المستقيم، أو أن يزيد في الدين ما ليس منه بحيث يتجاوز الحد المشروع، أو يتشدد في العبادة، أو يتعسف في أدائها، حتى يخرج بها عن الصفة المشروعة، فكل من تعبد الله بغير ما شرع نوعاً أو عدداً أو صفة فهو من الغلاة، ومن هنا أصبحت البدع في الدين نوعاً من الغلو والتطرف، والنصوص الإسلامية تدعو إلى الاعتدال، وتحذر من التطرف، الذي يعبر عنه في لسان الشرع بعدة ألفاظ منها الغلو والتنطع والتشديد، والواقع أن الذي ينظر في هذه النصوص يتبين بوضوح أن الإسلام ينفر من الغلو، ويحذر منه أشد التحذير لأنه يؤدي إلى ارتكاب الجرائم والعمليات الإرهابية، والغلو في الدين آفة خطيرة قديمة في جميع الأمم السابقة، وقد كانت سبباً لهلاكها، من أجل ذلك جاءت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية محذرة من هذه الآفة ومبينة ما يترتب على الغلو من أضرار، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ...)، «سورة النساء: الآية 171».

ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو، قال: «إيّاكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين». والمراد أهل الأديان السابقة، وقد خاطبهم القرآن بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)، «سورة المائدة: الآية 77»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون»، قال الإمام النووي: أي المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم»، ومن أجل ذلك قاوم صلى الله عليه وسلم كل اتجاه ينزع إلى الغلو في التدين، وأنكر على من بالغ من أصحابه في التعبد والتقشف، مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال الذي جاء به الإسلام، ووازن به بين الروحية والمادية، ووفق بفضله بين الدين والدنيا، وبين حظ النفس من الحياة وحق الرب في العبادة، التي خلق لها الإنسان.

والإسلام شرع من العبادات ما يزكي النفس، ويرقى به روحياً ومادياً، وما ينهض بالجماعة كلها، ويقيمها على أساس من الأخوة والتكافل، دون أن يعطل مهمة الإنسان في عمارة الأرض.

وأنكر القرآن، على أصحاب النزعة في تحريم الطيبات والزينة التي أخرج الله لعباده، فقال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، «سورة الأعراف: الآيتان 31-32»، والقرآن يخاطب الجماعة المؤمنة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)، «سورة المائدة: الآيتين 87 - 88».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا