• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

فصول الاهتمام به تعكس الأصالة الحضارية للمدينة

الكتاب في «عين» أبوظبي.. والشعر في طرقاتها

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 أبريل 2014

شـهـيـرة أحـمـد

لا يعرف سرَ الهوى إلا من يكابده، كذلك الكتاب لا يعرف أوجاعه إلا الراسخون فيه، الحاملون على أكتافهم همّه، الممسوسون بحبه، لكن المشتغلين في الثقافة ليسوا كلهم هذا الشخص. بعضهم يستقرّ في وعيه أن الكتاب سلعة، مثل أي سلعة، ناسفاً كل ما يحمله الكتاب من عمق حضاري وإنساني لا علاقة له البتة بالتجارة ولا بأرقامها... وعندما يصبح الوعي سلعة ينبغي على المرء أن يتحسس رأسه... لكن، وعلى الجهة الأخرى، عندما تحمل مدينة ما على عاتقها همّ الكتاب ونشره، والمعرفة وتعميمها، فإن الإنصاف يقتضي أن يقف المرء متأنياً لقراءة التجربة.

في الإمارات عامة، وفي أبوظبي خاصة، ثمة حكاية متشعبة عن مدينة عقدت قرانها على الكتاب، وأقامت معه حلفاً متيناً، وعرىً وثيقة، نسرد هنا بعضاً من تجلياتها... وفصولها.

يظن كثير من المثقفين، وبعض الظن إثم، أن الكتاب لا يحضر إلا في معارض الكتب، وبالتالي يتحدثون أحياناً عن حضور موسمي لـ “خير جليس”، بيد أن هذا التجلي الظاهري للكتاب وراءه، حضور عميق، جذري، مؤسّس (بكسر السين، لا كسر الله لكم قلباً) يفعل على نحو تدريجي، في العقول والنفوس.. صحيح أنه فعل بطيء، لكن من قال إن ثمار العمل الثقافي تنضج أو تؤتي أكلها سريعاً.. الثقافة استثمار طويل المدى (ليس بلغة السوق بل بلغة الوعي الوجودي لسيرة الإنسان مع الحضارة والمكان)، ولهذا، يعلم الراسخون في دهاليزها وعوالمها أن ما يبذر اليوم قد يحتاج إلى عشرات السنين لكي يزهر.

في الثقافة، يصح المثل القديم الذي تعلمناه صغاراً مع ذلك الشيخ الجليل: “غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون”...

في الثقافة، لا ينتظر الباني أن يرى نتيجة بنائه ترتفع بين ليلة وضحاها.. يكفي أن يضع الأساس، أن يبذر البذرة في التربة، وأن يسلّمها إلى النور والشمس والهواء لكي تتكفل بتغذيتها. النور والشمس والهواء هنا هي عملياً، الرعاية والاهتمام والدعم وبعد النظر وحكمة البصيرة والرؤية البعيدة المدى أو ما يحب المثقفون تسميته (استراتيجيات ثقافية) والتخطيط، وغير ذلك مما يجعل الطقس خصباً والرياح مواتية لكي ينمو الغراس... ويطرح.

بادئ ذي بدء، تقول الحكاية التي تنسج أبوظبي فصولها على مهل مع الكتاب، إن هذه المدينة قررت عن سابق إصرار وترصد، أن تضع الكتاب في عيونها، وأن تدخله إلى قلبها، حتى إنها سيّرت من أجله حافلات، تحمل كلماته، وتطوف الشوارع حاملة زاداً معرفياً لكل راغب... أليس شيئاً جميلاً أن تصافح عيناك الشعر وأنت تتجول في هذه المدينة، إنه الشعر، يستقل الحافلات ويمشي على عجلات.. الشعر بنوعيه: الشعبي والفصيح، بِحُرّهِ ومُرْسلِه وعموده يتنقل في الطرقات والشوارع، حاملاً أسماء شعراء الإمارات لتقرأها الأعين في كل وقت.. وكأني بالمدينة، في ضربة إبداع موفقة، حوّلت الحافلة إلى كتاب أو بالأصح منحت للكتاب قدمين وأطلقته بين الناس. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف