• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

دفاتر التنوير

علي الوردي: قلم النقـــد الرفيــع

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 25 يونيو 2016

ظافر جلود (دبي)

يقول الدكتور وعالم الاجتماع العراقي علي الوردي: «إن الأخلاق ما هي إلا نتيجة من نتائج الظروف الاجتماعية، فالغربيون لم تتحسن أخلاقهم بمجرد أنهم أرادوا ذلك، لقد تحسنت ظروفهم الحضارية والاقتصادية، فتحسنت أخلاقهم تبعاً لذلك، ومن الظلم أن نطلب من الكادح الذي يعيش في كوخ أن يكون مهذباً أو صادقاً، إنه مضطر أن يداري معاشه العسير، وليس باستطاعته أن يكون نظيفاً، لأن النظافة بين أبناء الأكواخ تعد دلالاً ليس له معنى».

ويوضح الوردي أن الفكر البشري حين يتحرر ويخرج عن التقاليد لا يستطيع أن يحتفظ بطابع اليقين على أية صورة، إنه حين يشك في أمر واحد من أمور حياته، لا يستطيع أن يقف في شكه عند هذا الحد، فالشك كالمرض المعدي، لا يكاد يبدأ في ناحية حتى يعم جميع النواحي، والإنسان إذ يكسر تقليداً واحداً، لا بد أن يأتي يوم يكسر فيه جميع التقاليد.

ويعبر عالم الاجتماع العراقي من خلال كتبه عن مواضيع نحلق معه خلالها في أجواء النفس وخباياها وما ورائياتها، مواضيع تقترب أو تبتعد بعناوينها عن التحليلات النفسية، ولكنها وعندما تطرق بجزئياتها أبواب فكره تأخذ منحى آخر لتستعرض مختبر اجتهاداته، وتخرج مكتسية أبعاداً كثيراً ما تفاجئ الذهن بعناوينها. ففي كتاب «أسطورة الأدب الرفيع»، يأخذ العنوان القارئ إلى مدى الأدب وإلى فضاء تحليلي من نوع آخر، فالكتاب يحتوي على مناقشة فكرية جمعت بين مدرستين، الأولى: معتزة بالشعر واللغة إلى درجة التزمت والتعصب، والثانية يمثلها الكاتب تنتقد الشعر والأدب السلطاني والقواعد اللغوية المعقدة التي وضعها النحاة، حيث يناقش الكاتب أثر الأدب واللغة على المجتمع العربي، ويضع أسباب اهتمام الخلفاء والسلاطين بها، حتى أصبح العرب من أكثر الأقوام اهتماماً بالشعر. وفي كتابه «وعاظ السلاطين»، يطرح الوردي أموراً مختلفة، منها أن التاريخ لا يسير على أساس التفكير المنطقي، بل على أساس ما في طبيعة الإنسان من نزعات أصيلة لا تقبل التبديل، والأخلاق ما هي إلا نتيجة من نتائج الظروف الاجتماعية، ومن خلال كتابيه:«خوارق اللاشعور» و«الأحلام بين العلم والعقيدة» يأخذنا الوردي عبر التحليلات النفسية في مناحٍ تمس جميع الناس.

علي الوردي، أستاذ ومؤرخ وعالم اجتماع عراقي، عرف باعتداله وموضوعيته، وكان متأثراً بمنهج ابن خلدون في علم الاجتماع، وتسببت موضوعيته في البحث بمشاكل كبيرة، حيث تفرد بتحليلات عن طبيعة نشأة وتركيب المجتمع العراقي الحديث، خصوصاً بعد عهد المماليك وفيضانات دجلة والفرات وموجات أمراض الطاعون.

ويقول قبل وفاته إنه ألف عدة كتب وطلب من ورثته نشرها بعد موته، ورغم مرور أكثر من عشر سنوات لم نر أياً من تلك الكتب التي بقيت بحوزة الورثة، كما حلل أصول المهاجرين وتميزت مؤلفاته وأبحاثه بالصبغة الأنثروبولوجية.

كان علي الوردي أول عالم اجتماع عراقي درس شخصية الفرد وطبيعة مجتمعه بجرأة وصراحة، وحلل الظواهر الاجتماعية والسلوكات الخفية، ووجه الاهتمام إلى دراستها وتحليلها ونقدها، وهو بهذا دفعنا إلى إعادة النظر في خطابنا الفكري والاجتماعي والسياسي، وضرورة أن نعي واقعنا بكل إيجابياته وسلبياته، حيث حلل الشخصية العراقية باعتبارها ازدواجية، تحمل قيماً متناقضة بين البداوة والحضارة، وكان لجغرافيا العراق أثر في تكوين هذه الشخصية، فهو بلد يسمح ببناء حضارة بسبب النهرين، لكن قربه من الصحراء العربية جعل منه عرضة لهجرات كثيرة عبر التاريخ، آخرها كانت قبل 250 سنة تقريباً، فالعراق بوتقة لصهر البدو المهاجرين ودمجهم بالسكان الذين سبقوهم إلى الاستقرار والتحضر.

كتب علي الوردي 18 كتاباً، وأكثر من 150 بحثاً ومئات والمقالات، خمسة كتب قبل ثورة 14 تموز 1958، وكانت ذات أسلوب أدبي نقدي، ومضامين تنويرية جديدة وساخرة، لم يألفها القارئ العراقي، لذلك واجهت أفكاره وآراؤه الاجتماعية الجريئة انتقادات لاذعة، خاصة كتابه «وعاظ السلاطين» الذين يعتمدون على منطق الوعظ والإرشاد الأفلاطوني، منطلقاً من أن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ وحده، وأن الوعاظ لا يتبعون النصائح التي ينادون بها، وهم يعيشون على موائد المترفين، مؤكداً أنه ينتقد وعاظ الدين وليس الدين نفسه، أما الكتب التي صدرت بعد ثورة 14 تموز فقد اتسمت بطابع علمي، ومثلت مشروع الوردي لوضع نظرية اجتماعية حول طبيعة المجتمع، وفي مقدمتها كتابه «دراسة في طبيعة المجتمع العراقي»، ومنطق ابن خلدون ولمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الذي صدر في ثمانية أجزاء.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا