• الجمعة 05 ذي القعدة 1438هـ - 28 يوليو 2017م

لا تقابلوا النعمة بالتكذيب والكفر

الرزق من الله.. ينزله بلا أسباب وله الحمد والشكر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 12 مايو 2017

أحمد محمد (القاهرة)

خرج النبي صلى الله عليه وسلم، في سفر، فنزلوا منزلاً وأصابهم العطش وليس معهم ماء، فذكروا ذلك للنبي، فقال: «أرأيتم إن دعوت لكم فسقيتم فلعلكم تقولون سقينا هذا المطر بنوء كذا»، فقالوا يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء، فصلى ركعتين ودعا الله تبارك وتعالى، فهاجت ريح ثم هاجت سحابة فمُطروا، حتى سالت الأودية، وملأوا الأسقية، ثم مر رسول الله برجل يغترف بقدح له وهو يقول: سقينا بنوء كذا، ولم يقل هذا من رزق الله سبحانه، فأنزل الله تعالى: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)، «سورة الواقعة: الآيات 81 - 82»، وقد أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله الله رزقاً، هذا بنوء كذا وكذا.

قال الإمام القرطبي، وتجعلون رزقكم أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقاً لكم أنكم تكذبون بالرزق، تضعون الرزق مكان الشكر، ففيه بيان أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسباباً، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروها تعبداً له وتذللاً.

قال الشافعي، لا أحب أحداً أن يقول مطرنا بنوء كذا وكذا، وإن كان النوء لا يضر ولا ينفع، ولا يمطر ولا يحبس شيئاً من المطر، والذي أحب أن يقول مُطرنا وقت كذا، كما تقول مُطرنا شهر كذا، ومن قال مطرنا بنوء كذا، وهو يريد أن النوء أنزل الماء، كما عنى بعض أهل الشرك من الجاهلية بقوله فهو كافر، حلال دمه إن لم يتب.

وقال الإمام القاسمي، هذا الحديث يعني القرآن الذي قص عليكم فخامة شأنه، وعظمة مقداره أنتم مدهنون، أي تلينون القول للمكذبين، ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر، وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، أي شكر رزقكم إياه تكذيبكم به، كفراً لنعمته، وجحدا لمنته.

قال البقاعي في «نظم الدرر»، ولما كان هذا القرآن متكفلاً بسعادة الدارين، قال تعالى: (...وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ...)، أي حظكم ونصيبكم، وجميع ما تنتفعون به من هذا الكتاب وهو نفعكم كله أنكم تكذبون، أي توجدون حقيقة التكذيب في الماضي والحال، وتجددون ذلك في كل وقت به وبما أرشد إليه من الأمور الجليلة، وهي كل ما هو أهل للتصديق به وتصفونه بالأوصاف المتناقضة، ومن ذلك ما أرشد إليه من أنه لا فاعل إلا الله تعالى، فتقولون أنتم إذا أمطركم ما يرزقكم به، هذا بنوء كذا، معتقدين تأثير ذلك النوء، وإنما هو بالله تعالى، فجعلتم جزاء الرزق وبذل الشكر على الرزق التكذيب، وقال ابن برجان: وتجعلون رزقي إياكم من قرآن عظيم أنزلته، وكلام عظيم نزلته، ونور إيمان بينته، وضياء يقين جليته، وما أنزلته من السماء من بركات قدرتُها ومن رياح أرسلتها، وسحب ألفتها، تجعلون مكان الشكر على ذلك التكذيب.

وقال الإمام السعدي، وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، أي تجعلون مقابلة منة الله عليكم بالرزق التكذيب والكفر لنعمة الله، فتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وتضيفون النعمة لغير مسديها وموليها، فهلا شكرتم الله تعالى على إحسانه، إذ أنزله إليكم ليزيدكم من فضله، فإن التكذيب والكفر داع لرفع النعم وحلول النقم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا