• الاثنين غرة ذي القعدة 1438هـ - 24 يوليو 2017م

اللامصوّتون.. معارضون جدد في فرنسا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 مايو 2017

إسحق ستانلي بيكير*

بلغ عدد الممتنعين عن التصويت في الانتخابات الفرنسية الأخيرة 15.5 مليون ناخب أو ما يعادل ثلث مجموع عدد المسجلين في القوائم، وهي نسبة ضخمة وفق المقاييس الانتخابية السائدة في فرنسا. ويُعرّف هؤلاء بأنهم أولئك الذين يرون أن لا مصلحة لهم في التفضيل بين إيمانويل ماكرون، وهو «الوسطي المستقل» الذي أصبح أصغر الرؤساء الذين حكموا فرنسا سنّاً منذ أيام نابليون، وبين مارين لوبن زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتشددة. وهذا يعني بلغة الأرقام أن عدد الناخبين الذين امتنعوا عن التصويت يفوق عدد المصوّتين لمصلحة مارين لوبن على الرغم من أن حزبها حقق أفضل أداء انتخابي له في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وبلغ عدد بطاقات التصويت الفارغة رقماً قياسياً لم يسجل مثله في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة التي تأسست عام 1958.

وقالت لي طالبة في كلية الآداب التابعة لإحدى جامعات باريس تدعى إيميليا جولي، والتي فضلت البقاء في بيتها يوم الأحد كطريقة للإعراب عن رفضها لكلا المرشحيْن: «لقد فضلت الامتناع عن المشاركة في هذه اللعبة. ولقد أصبح الممتنعون عن التصويت يمثلون المعارضة الجديدة. وأنا أعتقد أن فوزهم بثلث عدد الأصوات في هذه الانتخابات ليس كافياً».

وقالت إميليا: «إن حق التصويت مهم»، وأضافت: «ويبقى الأهم هو أن تقتنع بالتصويت لمصلحة من تريده أن يصبح رئيساً بالفعل. وأنا سأتجنب ارتكاب الذنب عما يفعله ماكرون أو عما لم يفعله». وتحدثت أيضاً مع شيوعي يدعى «أندريه بورسييه»، الذي كان محافظاً لبلدة صغيرة تقع غرب باريس حول موقفه، فقال: «إن ماكرون» يشبه الرئيس فرانسوا أولاند، وهو الاشتراكي الذي سيغادر قصر الإليزيه الأحد المقبل بمنجزات متواضعة ومستوى منخفض من الرضى الشعبي». وأضاف: «لم أكن مهتماً، ولهذا السبب، قدمت ورقة بيضاء». وهكذا فعل أكثر من 4 ملايين من الناخبين الآخرين بمن فيهم الذين عبروا من خلال سلوكهم الانتخابي عن رفضهم للنظام السياسي القائم برمته. وهم الذين وصفوا هذا المعدل التاريخي للامتناع عن التصويت بأنه يمثل إشارة واضحة عن مدى عمق الاستقطاب السياسي في الشارع الفرنسي ودليلاً على مدى وعورة الطريق الذي سيسلكه ماكرون أثناء انتظاره لنتائج الانتخابات التشريعية التي سيتم تنظيمها في شهر يونيو المقبل حتى يعلم ما إذا كان سيحكم بأغلبية برلمانية كافية أم لا. وقال الخبير والمحلل السياسي سيلفين بروارد: «لقد ذهبت إلى الدائرة الانتخابية حتى أشارك في اللعبة الديمقراطية، ولكنني لا أرى في المرشَّحين ما يكفي من الميزات السياسية بحسب رأيي، ولهذا السبب قررت الامتناع عن اختيار أي منهما». ووصف الامتناع عن التصويت بأنه أشبه بآلام الولادة لحالة جديدة من الاصطفاف السياسي. وكانت المواقف المعادية للعولمة طاغية على الحملة في وقت بدا فيه وكأن الانقسام التقليدي بين الجناحين اليميني واليساري يزداد قوة وتجذّراً.

واتضح في النهاية أن عدداً كبيراً من الناخبين اليساريين المعارضين للعولمة، لا يرغبون أيضاً في دعم الحزب الذي ارتبط اسمه بكره الأجانب واللاسامية. وكان هناك العديد من أولئك المحسوبين على الجناح اليميني الذين يؤيدون الأسواق الحرة، ولكنهم لا يرغبون في الوقت نفسه بتأييد المرشح الذي يرفع الشعارات الاجتماعية الليبرالية.

وقال لي بورسييه: «بالنسبة لي، تعتبر لوبن مرشحة غير مقبولة ولا معقولة»، ويذكر أن «بورسييه» صوت في الجولة الأولى لصالح المرشح «جان لوك ميلينشون» ذي الميول الشيوعية، ليتضح فيما بعد أن ماكرون كسب في الجولة الفاصلة أكثر من نصف الأصوات التي أيدت ميلينشون. وجاءت معظم المكاسب التي حققتها لوبن في الجولة الثانية بالدرجة الأولى من أولئك الذين سبق لهم أن صوتوا لصالح مرشح يمين الوسط «فرانسوا فيّون»، وبهذا تكون لوبن كسبت 10 بالمئة من أصوات الناخبين المؤيدين لميلينشون، أو ما يعادل أكثر من ثلث أولئك الذين فضلوا البقاء في بيوتهم يوم التصويت. ويقول «ديدييه رويه» النائب الحالي عن حزب «الجبهة الوطنية»: «إن مستقبل الحزب يعتمد على كسب أصوات المزيد من الناخبين اليمينيين. ويعزو أولئك الذين اختاروا التصويت بورقة بيضاء السبب في اتخاذهم لهذا الموقف لعدم رضاهم عن الأفكار الاقتصادية التي يطرحها الرئيس المنتخب إيمانويل ماكرون، خاصة ما يتعلق منها بوعوده بالتخفيف من بعض القيود التي تفرضها قوانين العمل والتوظيف».

ونختار من نماذج «اللامصوتين» شخصاً آخر يدعى «إيون لو دويه»، عمره 26 عاماً وتقدم إلى التصويت بورقة بيضاء لأنه يرى أن ماكرون «ميّال لليمين بأكثر مما ينبغي»، وكان قد صوت في الجولة الأولى لصالح ميلينشون الذي رفع شعار تأميم البنوك الكبرى، وسحب فرنسا من حلف «الناتو».

ولم ينسَ ماكرون هذه الشريحة من الناخبين الذين لم يصوتوا لمصلحة أي من المرشحين، وتوجه بكلامه المتودد إليهم في افتتاحية خطاب الانتصار الذي ألقاه يوم الأحد في الساحة المجاورة لمتحف اللوفر.

*محلل سياسي بريطاني

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا