• الاثنين غرة ذي القعدة 1438هـ - 24 يوليو 2017م

أسمار الليالي الشامية كما ترويها بنات شهرزاد

المشاءة خرساء بألمٍ فصيح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 مايو 2017

نبيل سليمان

لا يكاد أحد يذكر العنوان الكامل لدرة السرد الإنساني (ألف ليلة وليلة) كما جاء على غلاف طبعة كلكوتا (الهند) سنة 1842، وهو: «أسمار الليالي للعرب مما يتضمن الفكاهة ويورث الطرب». من هذا العنوان، استلهمت عنوان روايتي (سمر الليالي - 2000). وتيمناً بهذا العنوان بدت لي الروايات التي تقدمها الكاتبات السوريات منذ زلزلت سوريا زلزالها عام 2011، أسماراً للّيالي الشامية، لكأن راويات هذه الليالي بناتٍ لشهرزاد، وهنّ، في حدود علمي: مها حسن: روايتا (طبول الحب) و(مترو حلب)، ابتسام التريسي: روايتا (مدن اليمام) و(لعنة الكادميوم)، سمر يزبك: (المشّاءة)، شهلا العجيلي (سماء قريبة من بيتنا)، سوسن جميل حسن: روايتا (قميص الليل) و(خانات الريح)، لينا هويان الحسن (الذئاب لا تنسى)، نجاة عبد الصمد (بلاد المنافي)، روزا ياسين حسن (الذين مسهم السحر)، سميرة المسالمة (نفق الذل)، عتاب أحمد شبيب (موسم سقوط الفراشات)، جهينة العوام (تحت سرة القمر)، ريما صلاح الدين الجرف (يوماً ما)، دينا نسريني (أمل)، ابتسام شاكوش (قشرة البيضة)، سندس برهوم (عتبة الباب)، وديمة ونوس (الخائفون).

بين الكاتبات سبع قدمت كل منهن الرواية الأولى، وهن: سميرة المسالمة &ndash عتاب أحمد شبيب &ndash جهينة العوام &ndash ريما صلاح الدين الجرف &ndash دينا نسرين &ndash سندس برهوم &ndash ديمة ونوس. ومنهن من لها من الأسمار سوى الرواية، سردية ما، مثل سمر يزبك في كتابيها (تقاطع نيران) و(بوابات أرض العدم) ونجاة عبد الصمد في كتابها الذي يخاطب عنوانه لوحة بيكاسو الشهيرة (الغورنيكا)، والكتاب هو: (غورنيكات سورية). ولأنه الزلزال، ولأنهن بنات شهرزاد بامتياز غالباً، فقد كتبت عن الكثير من هذه المدونة، وهذا ما أتابعه هنا في رواية سمر يزبك (المشاءة).

حكايات الحصار

بعد سنوات من الانقطاع، هي سنوات الزلزال السوري، عادت سمر يزبك إلى الرواية، حيث كان قد بات لها في زمن قصير موقع مميز. ولئن كانت في سنوات الانقطاع قد كتبت سرديتها للزلزال في الكتابين المذكورين آنفاً، كما حققت حضوراً إعلامياً استثنائياً كناشطة سورية، فها هي تعود إلى فنها الأثير. وقد اختارت أن تحكي رواية (المشاءة) حكايات الحصار &ndash وبعض ذلك كان في رواية ابتسام التريسي: لعنة الكادميوم &ndash والسلاح الكيماوي، وذلك على لسان راوية الرواية وبطلتها الخرساء التي يكتفي اسمها بالظهور مرة: ريما، ومثله اسم أخيها: سعد. والراوية التي اختارت منذ طفولتها الخرس، فعقلت عضلة لسانها، تخاطب القارئ من مبتدأ الرواية إلى نهايتها. وفي هذه النهاية التي تعلن فيها أن حكاياتها لم تنته، تعيد تنضيد الحكايات، بالأحرى تقديم كروكي للعمارة الروائية، وهي حكاية المقاتل الذي عشقته (حسن)، وحكايات أمها وأخيها والفتاة الصلعاء التي عرفتها في المشفى/&rlm&rlm&rlm المعتقل، والكلب والطفلين ممن عرفت في القبو. وأخيراً: الراوية نفسها، فهي أيضاً حكاية، وهي ستختفي كما اختفى الآخرون وسواهم ممن صادفت هذه التي صارت شهرزاد الخرساء المسكونة بالمشي منذ ولدت، ترى الطريق بلا نهاية ولا تستطيع التوقف، حتى ظُنَّ بعقلها خلل. وعلى الرغم من أن الأطباء أكدوا سلامتها العقلية، فقد كانت أمها تصفها بالجنون، وكانت تقيدها من معصمها في البيت أو في غرفة المكتبة في المدرسة، حيث تعمل الأم مستخدمة. وفي المكتبة تولت الست سعاد تعليم الخرساء القراءة، فالتهمت المكتبة، وكتبت القصص ورسمت، وسكنها بخاصة كتاب (الأمير الصغير) وكتاب (آليس في بلاد العجائب) اللذين ستشركهما في لعبة الرواية.

تلبية لدعوة الست سعاد المقيمة في وسط دمشق، والعازمة على الهجرة، تمضي ريما وأمها من سكناهما في أطراف المدينة. ومن حاجز إلى حاجز مما قطّع أوصال المدينة، تصف الراوية المعاناة: في الحاجز الأول أوقف شاب وتحول إلى كرة تحت أقدام المسلحين، وفي حاجز مخابرات البدلات الأنيقة والوجوه النظيفة الملتحية، يؤمر شاب: (انزل يا حيوان) لأنه من حي جوبر الطرفي الذي لا يزال عصياً على الدولة حتى الآن. وقد تبولت الخرساء خوفاً، وفي رعب وبلبلة النزول من الباص يتحرر معصمها من قيد - حبل أمها، وتنطلق حرة بينما الأوامر بالتوقف تلاحقها حتى تخترق كتفها رصاصة وتختفي الأم.

تلك هي الحكاية الأولى التي تخللتها، كما سيلي لسواها، حكايات فرعية. وفي الحكاية التالية تصحو الخرساء على الفتاة الصلعاء المقيدة مثلها بسوار حديدي إلى السرير، وهي إذن في مشفى/&rlm&rlm&rlm معتقل للناشطين الجرحى، حيث الممرضة تصدح: هذا جزاء الخونة ومن يتظاهر ضد سيادة الرئيس. وهو إذن الخوف الذي تبدع الرواية في رسمه: يبني لك أفخاخاً في جسدك، دائري الشكل، بلا بداية ولا نهاية.... وفي حكاية الصلعاء كما تروي للخرساء أنها حلقت شعرها إثر تساقطه في السجن، وإنها كانت في فرع فلسطين &ndash من المراكز الأمنية &ndash وهي تحسب الخرساء معتقلة مثلها، وتوصيها بألا تدعهم يحقنونها بالإبر، لأنها لن تعرف ما يفعلون بها وهي نائمة. وتروي الصلعاء أنها كانت تتظاهر، وكانت تنقل الأدوية إلى الجرحى، وأنهم تنصتوا على مكالماتها، و: «أظن أنني سأموت». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا