• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

يرى مراقبون أن واشنطن أدارت ظهرها للمدنيين السُّنة قصد التملق لطهران وموسكو. وتتهمها وسائل إعلام عربية بدعم حرب طائفية

«داعش» والآثار العكسية للحرب الأميركية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 21 يونيو 2016

حسن حسن*

أضحت «جاذبية» تنظيم «داعش» الدولية منفصلة عن أدائه العسكري على الميدان، ولعل هجوم الأسبوع الماضي الإرهابي في نادٍ ليلي بمدينة أورلاندو الأميركية، الذي أسفر عن مقتل 49 شخصاً، مثال واضح على هذا الانفصال المتزايد. والمذبحة، التي ارتكبها رجل أعلن ولاءه لزعيم «داعش» أبوبكر البغدادي قبل أن يعمد إلى فتح النار، أتى وسط شبه إجماع على أن التنظيم بات في حالة تراجع شديد. ذلك أنه لأول مرة منذ بدء عمليات الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة قبل عامين، باتت كل معاقل التنظيم الحيوية تقريباً في سوريا والعراق وليبيا تحت ضغط حقيقي. ولعل هذا ما دفع المتحدث باسم التنظيم «أبو محمد العدناني» في تصريح حديث إلى التلميح إلى أنه يجدر بأتباع التنظيم الاستعداد لتكبد خسائر، من سرت إلى الموصل.

ولكن إذا كان أداء التنظيم قد بلغ مستوى قياسياً في التراجع، فإن «جاذبيته» لا يبدو أنها قد تقلصت، وهو ما أكده مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون برينان ضمن الشهادة التي أدلى بها أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في 16 يونيو الجاري. كما شدد على أن الوكالة لم تجد أي «علاقة مباشرة» بين «عمر متين»، منفذ هجوم أورلاندو، و«داعش». وقد لا تكون هذه مفاجأة على اعتبار أن «متين» لا تنطبق عليه، في ما يبدو، أنساق مألوفة لدعم دوغمائي للتنظيم. ذلك أنه في غضون ثلاث سنوات فقط، دعم «متين» كلاً من «حزب الله» و«القاعدة» و«داعش». كما أن ملفه الشخصي يشير إلى أنه ينتمي إلى فئة المتعاطفين الذين لا يتأثرون بإيديولوجيا التنظيم سوى بشكل سطحي -ولكنه يمكن أن يستوحي منه الأفكار لتنفيذ هجمات باسمه.

ومثل هؤلاء المتعاطفين لا تحرِّكهم النجاحات العسكرية لـ«داعش»، مثل الاستيلاء على الموصل في صيف 2014. فقد بنى التنظيم خطابه على الظلم الذي حاق بالسُّنة، وهي فكرة سابقة زمنياً على إنشائه لـ«خلافة» مزعومة، وما زالت تمثل مصدر إغراء قوياً لكثيرين في الشرق الأوسط! كما استفاد «داعش» أيضاً من تفشي الركود السياسي والتظلمات الشعبية لاكتساب دعم شعبي، علاوة على عدد الأشخاص الذين ينضمون إلى صفوفه فعلياً. ولنتأمل، مثلًا، الحملات المتواصلة ضد «داعش» في الفلوجة والرقة ومنبج. فإذا كانت واشنطن تشدد على أن تشمل تلك الحملات قوات تمثل العشائر السُّنية التي تمثل الأغلبية السكانية في المدن الثلاث، فإن هيمنة المليشيات الطائفية المدعومة من طرف إيران وتنظيمات كردية يثير مشاعر غضب في المجموعات التي يفترض أن تكون مناوئة لـ«داعش». كما أن العديد من المراقبين عبر المنطقة يرون أن واشنطن أدارت ظهرها للمدنيين السُّنة قصد التملق لطهران وموسكو. كما تتهم تقارير في بعض وسائل الإعلام العربية الولايات المتحدة بدعم حرب طائفية ضد السُّنة بشكل متعمد، وهذا خطاب يذكّر بأنساق قديمة يمكنها مرة أخرى أن تساعد «داعش» على تحويل خسارة الأراضي إلى «شرعية» مزعومة بين بعض القطاعات من العالم السُّني.

بيد أن المسؤولين الأميركيين يؤكدون أن الحرب على «داعش» هي نجاح كامل. ففي مؤتمر صحافي قبل يومين على الهجوم في أورلاندو، أشار «ريت ماكجُرك»، المبعوث الخاص الرئاسي للائتلاف الدولي ضد «داعش»، إلى ثمانية مؤشرات، ليحاجج بأن التنظيم المتطرف بات يعاني على كل الجبهات تقريباً، انخفاض معنويات مقاتليه إلى التقلص الكبير لموارده المالية، مشيداً بتحقيق الحكومة العراقية خطوات مبهرة في التعاطي مع الوضع الإنساني في البلاد، مؤكداً أن القوات التي تقود الهجمات في الفلوجة وشمال سوريا هي من السكان السُّنة والجيش العراقي. صحيح أن فظاعات معزولة ارتكبت من قبل بعض المليشيات، يقول «ماكجُرك»، ولكن «الجميع يقول ويفعل الشيء الصحيح من أجل محاسبة كل من تورط في انتهاكات لحقوق الإنسان».

بيد أن هذا التقييم يقلّل من شأن المشاكل السياسية والاجتماعية التي أدت إلى تفاقم خطر «داعش» أصلًا، ويبالغ في وصف عوامل لعبت دوراً صغيراً في ذلك التفاقم. ثم إن الحكومة العراقية اليوم تبدو أكثر خضوعاً لهيمنة قوى طائفية مقارنة مع فترة ما قبل سيطرة «داعش» على الموصل في 2014، والخطاب الشائع عبر المنطقة من أن المعركة المتواصلة في الفلوجة تمثل حرباً طائفية واضحة يفنّد تقييم «ماكجُرك» المتفائل- والمضلل.

وخلاصة القول إن التظلمات السياسية هي التي يحاول «داعش» توظيفها واستغلالها. فالطريقة التي تخاض بها معركة الفلوجة، بغض النظر عن الكيفية التي يصوّرها بها المسؤولون الأميركيون، دفعت بعض السُّنة ممن يفترض أن يعارضوا «داعش» إلى النظر إلى التنظيم باعتباره عدو أعدائهم. كما أن أعداداً أكبر، وليس أقل، من الأشخاص قد يشرعون في النظر إلى التنظيم على أنه «بطلهم» إذا هُزم من قبل «القوات الخطأ». على أن هذه التظلمات قد لا تغذي حركات تمرد في سوريا والعراق فحسب، ولكنها قد تشجع أيضاً ذئاباً منفردة على تنفيذ عمليات في الولايات المتحدة.

* زميل برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز «تشاتم هاوس» في لندن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا