• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

دفاتر التنوير

محمد عابد الجابري.. محاكمة العقـل العـربي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 21 يونيو 2016

رضاب نهار (أبوظبي)

لم يستطع المفكر والفيلسوف المغربي الدكتور محمد عابد الجابري (1936 – 2010) أستاذ الفلسفة والفكر العربي الإسلامي في كلية الآداب بالرباط، أن يمر مروراً عابراً على منطق المجتمعات العربية القائمة على حتميات غير سليمة، فقد وقف عند مآلها الثقافي والسياسي والديني والاجتماعي، ناقداً ومستكشفاً ضرورة التنوير والإصلاح العقلي وحاجتها الماسة للتطور، وقدّم في هذا المجال جهداً عظيماً تجسَّد في عدة أبحاث ومؤلفات استدعت تكريمه من قبل اليونسكو في العام 2006، بمنحه ميدالية «ابن سينا» تقديراً لمساهمته البارزة في بناء الفكر العربي المعاصر.

ويتضح لمن يقرأ الجابري، مدى تركيزه الواضح على الموروث القديم في الفكر العربي الإسلامي، رابطاً المسألة بـ «التأريخ» بدءاً من العصور القديمة ووصولاً إلى الواقع الراهن ومعطياته، ومنه ثمة دعوة إلى إعادة كتابة التاريخ الثقافي بما يتجاوز الأخطاء السابقة التي وقعت في فخ «الموروث» القديم.

كذلك بحث الجابري في الإسلام وتحديداً في القرآن الكريم، وخلص إلى أن ما يميز الإسلام، رسولاً وكتاباً، عن غيره من الديانات هو خلوّه من ثقل «الأسرار» التي تجعل المعرفة بـ«الدين» تقع خارج تناول العقل، الأمر الذي ركّز عليه في الجزء الأول من كتابه «مدخل إلى القرآن الكريم – في التعريف بالقرآن»، ليخلص في كتابه «الدين والدولة وتطبيق الشريعة» إلى أن «الكمال» في مجال تطبيق الشرائع كما في أي مجال آخر، هو كمال نسبي، وأنه لا كمال في هذه الدنيا، لا في مجال تطبيق الشريعة، ولا في غيره من المجالات.

وإذ يعرّي الجابري المنطق العربي في التفكير، فإنه يعيب عليه الازدواجية التي باتت تغزو حياتنا متفاوتة بين «العصرية» و«التقليدية» التي تظهر واضحة في كل شيء ما عدا الحياة الروحية والفكرية، ويشير في كتابه «إشكاليات الفكر العربي المعاصر» إلى أنه وبفعل الطبيعة المزدوجة لـ«الآخر» الغرب، لم يعد المتكأ عند قوى التجديد هو «الأصول» التراثية وحدها، بل أصبح النموذج الغربي ذاته يفرض نفسه كـ«أصيل» جديد ومن نوع جديد، «أصل» ينتمي إلى المستقبل وليس إلى الماضي. ومن هنا وجد نوع آخر من الصراع في الساحة النهضوية العربية هو الصراع من أجل «الأصول»، و«النماذج»، فريق يتمسّك بـ«الأصولية»، التراثية العربية الإسلامية، وفريق يدعو إلى «الأصولية» الحداثية الغربية.

وعلى الرغم من النقد الكبير الذي لطالما وجهه الجابري للعقول العربية في سلبيتها، إلا أنه لم يفقد الأمل يوماً، ففي ختام الكتاب ذاته، يسأل الجابري: «هل المجتمع العربي مؤهل حالياً لأن يصبح مجتمع الضريبة ومجتمع الرأي؟». ليجيب: «المجتمع العربي مؤهل كغيره للحداثة، لأن يعيش عصره. تبقى مسألة كيف نحقق هذه الإمكانية؟ وهنا يبرز دور العقل، دور النقد. وأعتقد أنه بمجرد أن نطرح وضعيتنا نكون قد بدأنا في قطع الخطوة الأولى من أجل التحرر من هذه الوضعية. إن الوعي بحقيقة وضعية ما علامة على القدرة على تغييرها».

ومثلما عُنِيَ الجابري بتجليات الدين والسياسة والفكر، اهتمّ أيضاً بالجانب الأخلاقي للإنسان العربي، الأمر الذي يتضح في الجزء الرابع من كتابه «نقد العقل العربي» وعنوانه الفرعي «العقل الأخلاقي العربي»، وهو يؤكد أن كثيراً من الصراعات التي عاشها ويعيشها المجتمع العربي كانت في جملتها عبارة عن «أزمات في القيم»، والتي تبقى لمدة من الزمن في نسيج الحياة الاجتماعية المتموجة، لتنفجر بعد حين إما في شكل «خروج» على النظام القائم، المادي أو الروحي أو هما معاً، وإما في شكل أزمة نفسية تضرب الكيان الفكري والروحي للشخص الواحد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا