• السبت 10 رمضان 1439هـ - 26 مايو 2018م

عوالم كابية وكاشفة في فيلم مخرج الإثارة والتشويق Frenzy

جنون «مستر هيتش»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 أبريل 2018

حسام نور الدين

اختصر اسم ألفريد جوزيف هيتشكوك بصفة (مخرج الإثارة والرعب). وإذا كان الاسم المختصر الآخر لهذا المخرج العبقري أي (مستر هتش)، يكفي لاختصار كل عوالمه السينمائية الطاغية، لكن لا بد من التذكير بأن الإثارة التي «صنعها» هيتشكوك لم تكن أبداً مبتذلة. إنها الإثارة التي تحمل في طياتها تلك الأسئلة الفلسفية المدوّخة، التي ترافق الإنسان وهو يواجه هواجسه الداخلية أو الخارجية..

«إن ذكر حادثة في جريدة لن يكون لها أبداً الأثر القوي مثل الفيلم، فالكوارث تحدث فقط لأناس آخرين.. أناس لا يعرفهم أحد، لكن الشاشة تعرض لك مباشرة القاتل، أو ضحيته، وأنت تخشى على الضحية، لأنها قد أصبحت شخصاً تعرفه، وهناك الآلاف من حوادث السيارات كل يوم، ولكن إذا حدثت واحدة لأخيك، فعندئذ يبدأ اهتمامك.. فيجب على بطل الشاشة أن يصبح أخيك، أو خصمك ذلك إن كان الفيلم جيداً».

هذه هي وجهة نظر مستر هيتش، أو أشهر مخرج في تاريخ السينما ألفريد جوزيف هيتشكوك (1899 ـ 1980)، وكان جوابه الكاشف عن المدخل الصحيح لصناعة فيلم تشويقي مؤثر، رداً على سؤال المخرج الفرنسي الشهير فرانسوا تروفو عقب تصوير فيلمه قبل الأخير «جنون» (1972) Frenzy، الذي استعاد به عافيته الفنية، بعدما فشل في فيلمين سابقين في إبهار الجمهور والنقّاد على غير العادة.

في فيلمه هذا يعود هيتشكوك بعد عقدين كاملين الى مدينته الأولى (لندن)، التي عاش فيها طفولته وشبابه، بعدما أعجب برواية «مع السلامة بيكاديللي ـ وداعاً ميدان ليسيستر» Goodbye Piccadilly, Farewell Leicester Square، خاصة مشاهد سوق كوفنت جاردن، التي أعادت بداخله الحنين، عندما كان والده بائعاً للخضراوات في هذا السوق المعروف، ليشرع بعدها في تصوير فيلم «جنون» المستمد منها، بطاقم بريطاني كامل، ولمدة 13 أسبوعا، بعد أن حدد رؤيته البصرية للمصور البريطاني ج. تايلور، بأن يكون نسيج الفيلم الضوئي كالكابوس الواقعي، وليس كمطرقة رعب تدق على مشاعر المشاهدين..

يفتتح الفيلم بمقدمة بديعة حيث تتحرك الكاميرا طائرةً فوق نهر التايمز، وتستمر في توغلها مع موسيقى تصويرية أوركسترالية فخمة، كأنما يحتفل فيها هيتشكوك بعظمة مدينته الأم، حتى نصل إلى جمع من الناس على ضفاف النهر يستمعون في هدوء يكلله سرب حمام وديع يطير حولهم، إلى خطبة من محافظ المدينة أمام المبنى الكلاسيكي، فتتحول الموسيقى الى لحن ناعم شجي من الوتريات، فيدخلنا الفيلم في حالة استرخاء نفسي مقصود، وبلهجة متفائلة يعد المحافظ بمحاربة تلوث النهر، ويتجاوب الحضور مع كلماته باسمين، ثم يقطع هيتشكوك هذا الاسترخاء الخادع، فور رؤيتهم جثة امرأة فوق صفحة النهر، تقترب بهدوء تجاه الشط، وحول رقبتها رابطة عنق.. ونعرف أن في المدينة سفاح نساء معقد نفسياً يقتل ضحاياه برابطة عنقه بعد اغتصابهن، لنضع يدنا على مفتاح الفيلم، وفلسفة صانعه في كل أفلامه، حيث أن هدوء المدينة، وسلامها الظاهري يكمن بداخله شرور كثيرة، تتم داخل دروبها، أو فوق مياهها الناعمة، فليست الحياة هي ما نرى على سطحها، بل ما يجري في أعماقها…

صوت وصورة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا