• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

التغير الديموغرافي والأخطار والتهديدات القريبة من أوروبا سواء في الشرق الأوسط، أو أوروبا الشرقية كرست شعوراً بعدم الأمان والعجز لدى الأوروبيين الذي تستغله التيارات الشعبوية لرفع رصيدها السياسي

أوروبا.. الشعبويون في المقدمة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 18 مارس 2015

لا يستطيع «أندريس بوست» الذي يعيش في مدينة دريسدن الألمانية كعامل نظافة بأحد المراكز التجارية الجزم بأنه يعيش حياة سعيدة، نعم هو يعرف جيداً أن ألمانيا هي مصنع أوروبا واقتصادها الأول، ويعرف أيضاً أنها قوة تصديرية من الدرجة الأولى تصنع أحدث المعدات وأكثرها تطوراً، لكنه لا يريد سماع المزيد من ذلك، هو ناقم فقط لأنه لم يستطع شراء معطف جديد للشتاء منذ ثماني سنوات، قائلا «لم تعد ألمانيا بلداً، إنها شركة، ونحن لسنا شعباً، بل موظفين». وعلى غرار المواطن الألماني «بوست» الذي يعيش على الحد الأدنى من الأجر، هناك أيضاً «نيكوس تسيبلاكيس» على بعد نحو 1300 ميل في أثنيا الذي يشعر هو الآخر بمرارة طافحة، فرغم التدخل الألماني لإنقاذ اليونان من الانهيار الاقتصادي في 2010 لا يحس «تسيبلاكيس» أبداً بأنه أُنقذ من شيء بعد أن فقد عمله الذي شغله طيلة 25 سنة كمهندس بإحدى المحطات الإذاعية، ومع أن الألمان واليونانيين يتهمون بعضهم بعضا بسبب المشكلات التي يعانون منها، إلا أن الرجلين معاً يقتسمان الكثير من المشتركات، فهما معاً يشعران بالخذلان بعدما لم يعد الانتماء للطبقة الوسطى الأوروبية يعني حياة هنيئة، هذا ما أدى إلى ردة فعل متقاربة تمثلت في معاقبة المؤسسات الرسمية في بلديهما.

فالرجلان انجذبا سريعاً إلى الأحزاب السياسية التي كانت في السابق على الهامش قبل أن تصعد إلى الصدارة، حيث اختار «بوست» الألماني أقصى اليمين، فيما اتجه «تسيبلاكيس» نحو اليسار المتطرف، وهي الأحزاب التي باتت تمثل اليوم القوى الأساسية الزاحفة على المشهد السياسي في أوروبا. فمن بريطانيا إلى ألمانيا، ومن إسبانيا إلى اليونان بدأت الجماعات السياسية على هامش التيارات الليبرالية والمحافظة في احتلال الصدارة وهي التي كانت مهمشة في السابق، بل وتمكنت من اجتذاب أعداد متزايدة من الطبقة الوسطى الأوروبية التي طالما اصطفت وراء أحزاب «الوسط»، مشكلة ظهيرها الاجتماعي، ومحتجة في الوقت نفسه على تآكل أنماط عيشها وعلى قضايا أخرى مستجدة مثل الهجرة التي باتت تشغل اهتمامات الناخبين.

لكن أوروبا شهدت تحولات أساسية مثل تراجع التصنيع والتغير الديموغرافي، الذي ضغط على المجتمعات الأوروبية، وأنتج ركوداً اقتصادياً مستمراً، هذا فضلا عن الأخطار والتهديدات القريبة من القارة سواء في الشرق الأوسط، أو في أوروبا الشرقية والصراع مع روسيا، ناهيك عن تدفق اللاجئين والمهاجرين، والتهديد الإرهابي، كل ذلك ساهم في تكريس شعور بعدم الأمان والعجز لدى الأوروبيين الذي تستغله التيارات الشعبوية لرفع رصيدها السياسي لدى الناخب. لكن الاتجاه الذي ستتخذه الحركات «اليمينية» و«اليسارية» الراديكالية في أوروبا لن يتحدد إلا مع نهاية السنة الجارية، حيث ستعيش القارة على وقع ثماني انتخابات عامة ستعقد في أكثر من بلد أوروبي، ومع أن الشعبويين الأوروبيين انخرطوا في أحزاب من مشارب مختلفة، إلا أنهم يوجهون خطابهم إلى كل بلد على حدة، ففي اليونان هناك الحزب الحاكم حالياً سيريزا الذي حصد 36 في المئة من أصوات الناخبين، وفي إسبانيا أدت الأزمة الاقتصادية وتفجر الفضائح السياسية إلى صعود نجم «بوديموس» من أقصى اليسار، أما في المملكة المتحدة فقد ظهر حزب الاستقلال اليميني ورديفه «الجبهة الوطنية» في فرنسا، ومعهما أيضاً حزب «الحرية» في هولاندا الذي لم يخفِ عداءه الصريح للمهاجرين، هذا ناهيك عن «بجيدا» الألمانية التي لم تتردد في دق ناقوس الخطر إزاء ما تعتبره خطراً إسلامياً يتهدد أوروبا.

سارة ميلر لانا

* كاتبة ومحللة سياسية أميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا