• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

عن حياة أسرة صغيرة تحت وطأة الحضور الطاغي لهتلر

«الواشي».. استبطان الدكتاتورية وتقاسم الخوف في مسرحية قصيرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 23 مارس 2014

ساسي جبيل (الشارقة)- عرضت مسرحية «الواشي»، للمخرج رامي مجدي، على خشبة معهد المسرح بالشارقة مساء الجمعة، في إطار أيام الشارقة المسرحية، أمام جمهور عريض. وينتمي هذا العمل إلى صنف المسرحيات القصيرة، وهي التي كانت فازت بجائزة أفضل إخراج، وأفضل تمثيل، وأفضل عمل متكامل، في مهرجان المسرحيات القصيرة.

تعالج المسرحية قضية الدكتاتورية مجسدة في أحد أشهر رموزها أدولف هتلر، ويبدأ العرض أثناء دخول الجمهور بمشهد ما قبل البداية فتظهر صورة هتلر تتوسط العرض في آخر الخشبة عالية مثبتة في الجدار، وفي الأسفل منصة مرتفعة، أما بقية فضاء الخشبة ففيه طفل بحجم شاب راشد يلعب لعبة قطار، وزوجان جالسان، تحيك الأم ثياباً ويقرأ الأب الجريدة، وبينهما انتصبت طاولة صغيرة عليها أكل وشرب، فيتعارض الفضاء الدرامي بين ما يحيل إلى مقر رسمي قد يكون مقر حزب أو سلطة وما يحيل إلى بيت عائلي، ويشق هذا التناقض كامل العرض المسرحي.

زوجان غريبان عن حياتهما العائلية لا ينفكان يتحدثان عن ولائهما لهتلر، وفي الحقيقة ليس ولاء بقدر ما هو خوف يفقد البيت خصوصيته وحميميته وتقتحمه السلطة السياسية مجسدة في صورة هتلر التي تخترق الجدار العائلي، أما الابن فإنه يمثل طفولة هرمة في خطاب سياسي نازي يعد السعادة في المستقبل بالقتل بسبب التعبير عن الاحتجاج حتى قبل التعبير عنه صراحة. تعلو صورة هتلر معلقة بما يعنيه العلو من سلطة لتخبر أن العائلة تحت السيطرة وأن الفوهرر الألماني يتولى مراقبة الناس حتى في نواة العائلة.. إنها صورة أقوى حضورا من كل الأجساد الثلاثة. ويجدر هنا أن نشير إلى أن نص برتولد بريخت، الذي تقوم عليه المسرحية، يذكرنا بالرواية الشهيرة لجورج أوريل «1984» والتي تدين النازية وهتلر بتجسيدها في صورة الأخ الأكبر big brother. وإذا كان الابن في نص بريخت هو من وشى بأبيه أثناء اللعب مع أقرانه عندما قال: (أبي يكره هتلر) فإن الابنين كذلك في رواية جورج أوريل هما الواشيان بوالدهما.

ويحدث في المسرحية أن يخرج الممثلون إلى الكواليس أحيانا، لكن صورة هتلر تبقى مرتفعة دوما ثابتة على الخشبة، كأنها تشير إلى أنها الثابت الوحيد الذي لا يتحول، وفي مشاهد الوشوشة والحديث الخافت بين الزوجين تحت إضاءة تحصر منطقة وجودهما يظل الضوء مسلطا عليهما دون انقطاع على صورة هتلر، أي أنه لا يغيب عن أكثر المواقف التي تبدو خاصة باثنين فقط، فيكون هو الثالث دوما رغم أنف الزوجين الخائفين من الخارج.

وعلى الخشبة نلاحظ وجود جهازي راديو وتلفزيون في كامل المسرحية كإكسسوار يوسع من إمكانيات المصادر الصوتية في الحوار، وكأن إرسال الراديو ورنين الهاتف من عوامل تطوير الأحداث وخلق منعطفات في السير الدرامي. كما نلاحظ أيضا أن ما في البيت يحيل إلى خارجه، وأن شيئا ما يتسلط على العائلة يأتي من الخارج- من الفوتوغرافيا أو من وسائل الاتصال- فالدكتاتورية هي خنق المجال الخاص للأفراد والعائلات، واقتحام المجال العام للمجال الخاص، إذ تركز المسرحية على أن الدكتاتورية ليست مجرد مسألة خارجية فيها العامل السياسي أو الحزبي محاصراً ومعتدياً على العامل الخاص، بل إن الدكتاتورية تصبح شيئاً في الباطن حتى وهم في أقصى حالات الابتعاد عن الشأن العام وهما يرتديان ملابس النوم. يمثل ذلك استبطان الاستبداد ليصبح مكونا ذهنيا وفكريا يمنع الزوجين من مواصلة حياتهما الخاصة دون خوف. وفي آخر مشهد من المسرحية يتبين أن الأب كان يحلم وأن الخوف كان مجرد سراب وأضغاث أحلام، ويعود الطفل الهرم إلى حجمه الحقيقي وعمره المناسب، لكنه انفراج يعمق الطابع التراجيدي، لأنه يبين أن الخوف والدكتاتورية وسطوة هتلر وصلت إلى حدود النوم والحلم مسيطرة عليهما، مما يدل على أن استبطان الخوف تضخم حتى شمل الحلم محولا إياه إلى كابوس مرعب ومخيف.

مسرحية «الواشي» تتغلب فيها صورة المستبد على حياة العائلة والشعب، فتصبح الرابطة الوحيدة بين الناس هي تقاسم الخوف.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا