• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

من يكترث لحزن الجزيرة الحمراء في رأس الخيمة؟

باب النسيان الكثيف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 مارس 2015

كتابة: لولوة المنصوريرسوم وتصوير: ناصر بوعفرا

أولئك الذين تركوا الطين مثقلاً بالزمن تتلاعب به أمواج الريح، عائماً على الذاكرة الغامضة، سخياً بنداءات الغائبين، أرخوا شراع الظهيرة، أطفأوا الموال الأخير، دخلوا في قيلولة امتدت في التاريخ، ولم يرجع منهم أحد. «هجروا المكان».. هذا هو الواقع، أبناء عم البحر ورفاقه، المعانقين للصمت والصبر والخرافة، تركوا باب الحكاية مفتوحاً على الغياب ومدارات الريح والضباب المكبّل بالنسيان الكثيف. سطر فارغ في آخر الحكاية يرتجف، يتمدد مع الوحشة، لا وجهة له، يترهل، يتبعثر جزأه، ولا أحد يكترث بتحريك هذا السطر الفارغ، ربما لأنه في آخر الصفحة، دائماً هنالك قفزة سريعة منتشية للصفحات التالية، وربما لأن الرّاوي مات، وربما لأن الشخوص قد تعبت من البحر، تخلت عن الحكاية كلها، وهربت مع الضوء الذي اختفى خلف نوافذ الطين، وربما لأن الراوي الجديد وصل متأخراً، فتعثر بأرضية متعبة لحكاية سقط منها الكثير من الشخوص الأكيدة، فلم يضمن استمرارية بعث الحكاية المبتورة، وإنما قفز سريعاً إلى حكايا المدن والهواء الذي تخنقه مصانع الحضارة وأبراجها

هكذا هي الجزيرة الحمراء الواقعة في إمارة رأس الخيمة، بلدة عريقة لذاكرة زمن الشقاء والكادحين، زمن تترهل هويته وتدخل في الأرض رويداً بعد أن شربت الإهمال والرمل ورياح النسيان والتغافل كثيراً، ورغم كل مخاوف الاندثار الغامض للجدران النازفة المنسية من الصاعقة القادمة من تحت الأرض، فإن رائحة دمعة الماضي الحزينة تسبح وتنتشر في الأفق من توقيت القيلولة إلى الأصيل تحديداً، شيء نوراني في داخلك يكبر على عتبة الشمس الدافئة المتهادية بحنان على رؤوس البيوت المتعبة، يشرق المكان على الشعر والخرافة والكثير من الكائنات الماورائية، وقبيل الغروب بساعة سيحدث أن تسمع في الشمس أصوات كل الغائبين، الذين عبروا وهاجروا من باب الحكاية المنسية، وتسمع صوت النداء في أصابعك أيضاً، وهي تحنو وتحتضن عطش الشوق في ثنايا الجدران المتآكلة، إنه صوت علوي ينبثق في داخلك، صوت الروح التي يغالبه الحنين نحو حكاية ما مجهولة نسي الوطن أن يدثرها في كتابه، ونسي أبناؤه أن يضعوا النقطة الواثقة الآمنة في سطرها الأخير، فوقفت الحكاية المبتورة وحيدة مرتبكة في وجه الأسئلة الكبيرة.

كيف سنكتب تاريخنا الطويل الحافل بالعجائب والمعجزات والمخاطر في ظل كل هذا الغياب والنسيان المتعمّد؟

أين هي مؤسساتنا التوثيقية والترميمية في إمارة رأس الخيمة؟ لماذا تشيح الدوائر المعنية وجهها عن هذه البقعة العريقة ذات الرمز التاريخي والإنساني والجمالي والبعد الخرافي؟، ما دور دائرة الأشغال والبلدية ودائرة التراث في حماية ممتلكات هذه الإمارة التاريخية؟

أما آن الأوان لاحتضان الأرض هناك وهي في حالة رمقها الأخير؟ أقول رمقها الأخير لأن التاريخ جُلّه قد ذاب، ولأن البلدة كلها انصهرت وفي حالة انجذاب نحو العالم السفلي، ولأن السائر المرهف في عطش الجزيرة الحمراء من البديهي جداً أن يصله نزع أنفاسها الأخيرة مثل حزن جاف يتمدد بين غابات خارجة من رحم الكون، ولأني هناك أمشي ثقيلة، مثل طريق جدي الذي فقد عليه عكازه وذاكرته، ثمة مآذن قديمة ما زالت صلوات البحر تتسرب من مكبراتها، وسحابة وحيدة في الأرض تدخل في عين الروح وتأخذ مكان الدمعة وحرقة الضمير، فالأزقة والبيوت والمساجد الأثرية والقرية بأكملها قد صارت وكراً للثمالة وملهى للعابرين من الغرباء، مرتعاً للعابثين، وهواة الخربشات على الجدران من الكلام البذيء.

في الجزيرة الحمراء، المكان الممزق بالذاكرة، المكان المأهول بقصف من تحت الأرض، حيث يبدو كل شيء هناك أنه غير مرئي، أنت ترى كل شيء لكنك لا تنظر إلى شيء تماماً، يبدو كل شيء غير عابر أيضاً، لا تمر الأشياء هناك عابرة، ولا يمر الموت صدفة، لكل شيء قدر من الوقت المناسب، لاشيء قبل الآن، ولا شيء بعد الآن، إنها خطة الكون التي لا تقف عند حد من الزمن. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف