• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

العرب أدمنوا لعبة الثوابت ورذيلة الرواسخ التي لا تقبل النقاش ففوجئوا بأن كل القطارات فاتتهم ووقفوا وحدهم في محطة مهجورة في انتظار ما لا يأتي

العرب في انتظار ما لا يأتي.. ومن يفتي!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 11 مارس 2015

هُناك فريضة أو فضيلة غائبة تماماً عن العرب ربما منذ مئات السنين، وهي فريضة أو فضيلة إعادة النظر، وإعادة ترتيب الأولويات في كل مجال خصوصاً في مجال الدين ومجال السياسة. والخطابان الديني والسياسي لدى العرب ابتُليا منذ زمن بعيد برذيلة أظنها مسؤولة مسؤولية كاملة عن توقف نمونا العقلي والفكري. وهذه الرذيلة هي ما نسميه في أدبياتنا العجيبة «الثوابت» التي لا تقبل النقاش ولا التفاوض واللاءات الكثيرة التي جعلتنا أمة الفرص الضائعة، مثل لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف ولا مساس ولا مساومة ولا تنازلات. ومليون (لا) أخرى لا أكاد أحصيها.

في الدين لا يوجد سوى ثابتين لا يتغيران. ثابت الإسلام (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وثابت الإيمان: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، سورة البقرة: الآية 285». وما عدا ذلك كل شيء قابل للنقاش وحضور الفضيلة أو الفريضة الغائبة، وهي فضيلة إعادة النظر وترتيب الأولويات والاجتهاد.

وفي الاجتهاد وإعادة النظر نختلف ومِنَّا مَنْ يخطئ ومِنَّا من يصيب. لكن لا ينبغي أن يقتل بعضنا بعضاً أو يكفر بعضنا بعضاً أو يتهم بعضنا بعضاً بالخروج عن الملَّة ما دمنا نجتهد تحت سقف (لا إله إلا الله محمد رسول الله) - والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.

أما الثابت الوحيد في السياسة، فهو الوطن والولاء له والانتماء، وتحت هذا السقف لكل منا رأيه واجتهاده بلا تخريب أو إرهاب أو قتل. ومشكلتنا مع الإرهابيين وفي القلب منهم جماعة «الإخوان»، هي إسقاط الوطن من أدبيات وقاموس هؤلاء. فالوطن عندهم هو الجماعة أو التنظيم وميدان التخريب والتدمير العالم كله، فلا ولاء ولا انتماء إلا للجماعة أو التنظيم، وهناك استعداد للتحالف مع الشيطان وهو ما يحدث بالفعل الآن لتحقيق طموحات الجماعة أو التنظيم وهي طموحات سلطوية لا وطنية، بمعنى أن الجماعة ليس لديها مانع من أن تحكم مقبرة جماعية مليئة بجثث أبناء الوطن.

الثوابت العربية (ذبحتنا) وأوقفت نمونا وأضاعت فرصنا كلها - فلا حاربنا ولا سالمنا - ولا انتصرنا ولا انهزمنا - ورقصنا على السلم وأمسكنا العصا من المنتصف.. وإمساك العصا من المنتصف يفقدها كل خواصها.. فلا نتوكأ عليها ولا نهش بها على غنم وليس لنا فيها أي مآرب أخرى.. العصا التي نمسكها من المنتصف لا تصلح إلا للرقص على السلم. وقد خسر العرب الرهان على عدو دائم وعلى صديق دائم. خسروا الرهان على الزواج الكاثوليكي في التحالفات، والطلاق البائن غير الرجعي في العداوات.

ورذيلة الثوابت هي التي جعلت العرب في ذهول حين يفاجئهم دائماً ما لا يتوقعون ممن كان حليفاً وصديقاً وتحول فجأة إلى عدو، وممن كان عدواً ويود التقرب منهم ليكون صديقاً. ومسألة الثوابت أفقدت العرب كل أوراق اللعب والضغط فانكشفوا تماماً، ولم يعد أحد يعبأ بغضبهم أو قلقهم أو إدانتهم أو شجبهم أو حتى رضاهم ومدحهم، لأن السياسة عند العرب مبنية على الانفعالات والعواطف ورد الفعل، وقائمة على الحب والكراهية. بمعنى أن الذي يختلف معه العرب سياسياً لا يمكن أن يتعاونوا معه اقتصادياً أو يتفقوا معه ثقافياً. إنها نفس سياسة أو فكر الأديب أو المفكر المعروف (هنريك إبسن) الكل أو لا شيء، والنتيجة طبعاً هي اللاشيء دائماً. ورذيلة الثوابت والرواسخ (والكل أو لا شيء) هي المسؤولة عن أننا قوم متطرفون في كل شيء. في الدين والسياسة والإعلام والديمقراطية والديكتاتورية والحرية والاستبداد، وهي المسؤولة عن أن أي منهج لم يصلح لنا ولم تصلح له تربتنا العربية. فسدت عندنا الشيوعية وفسدت الاشتراكية وفشلت الرأسمالية، بل وأفسدنا الدين أيضاً. لأن العرب إما لينون فيعصرون أو جامدون فيكسرون. ولأنهم أرادوا كل شيء فلم يحصلوا على أي شيء. ولأن الهوى إله معبود.. لذلك تتغير مناهجنا ونظرياتنا بتغير الأهواء والأمزجة.

فوجئ العرب كالعادة بسبب رذيلة الثوابت بأن المنطقة مقبلة على تحالف استراتيجي بين الشيطان الأكبر الذي هو أميركا في رأي إيران والضلع الأكبر في محور الشر الذي هو إيران برأي أميركا، وبأن برنامج إيران النووي وسعيها إلى امتلاك قنبلة نووية لم يكن سوى فزاعة إيرانية أميركية ــ إسرائيلية مشتركة ضد العرب.. وأن إيران أجادت المساومة بالقنبلة النووية المزعومة لصرف الأنظار عن تمددها الخطير في المنطقة العربية.. وأن الغرب غض الطرف عن التمدد الإيراني من أجل تفكيك برنامج طهران النووي المزعوم. وأن أميركا وإسرائيل وإيران أجادت لعبة توزيع الأدوار بتنسيق تام لإيهامنا بأن هناك خلافات، وأن إسرائيل لن تسمح بالاتفاق النووي. وكل هذا وغيره أدركناه متأخرين جداً. وإيران التي تمددت بقوة في منطقتنا تحت العقوبات الدولية - إلى أين سيصل تمددها بعد رفع هذه العقوبات وبعد إبرام التحالف التحتي بينها وبين إسرائيل وأميركا والغرب وروسيا والصين وتركيا وكوريا أيضاً؟ نعم إنها لعبة تحالف الأضداد ضد العرب الذين فشلوا تماماً حتى في الاتفاق فيما بينهم على حد أدنى من كلمة سواء. تحالف الأضداد ضد العرب الذين لم يعد لديهم أي ورق لعب على الطاولة، والذين صار العداء البيني عندهم أقوى وأعمق مئات المرات من عدائهم لإسرائيل أو غيرها.. كل هذا لأن العرب أدمنوا لعبة الثوابت ورذيلة الرواسخ التي لا تقبل النقاش ففوجئوا بأن كل القطارات فاتتهم ووقفوا وحدهم في محطة مهجورة في انتظار ما لا يأتي - وتعلقت أنظارهم بالشاشات في انتظار محلل أو خير يقبض الملايين ويفتي - وضعنا في انتظار من يفتي - وفي انتظار ما لا يأتي!

محمد أبوكريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا