• الاثنين 29 ربيع الأول 1439هـ - 18 ديسمبر 2017م

التجربة الإسبانية نموذجاً

النشر.. التحديات والمواجهة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 26 أبريل 2017

د- محسن الرملي

تتفق أغلب دور النشر على كثرة التحديات التي تواجهها اليوم، والتي يمكن تشخيص أبرزها بما يلي: منافسة الكتاب الإلكتروني للكتاب الورقي، القرصنة، شراسة جذب شبكات التواصل الاجتماعي على حساب القراءة والكتب، تكاليف التوزيع الباهظة، والتي تصل إلى نسبة 60% من سعر البيع تذهب لصالح شركات التوزيع، والأزمة الاقتصادية التي تجعل الحكومة والناس يقللون من إنفاقهم على الثقافة وفي مقدمتها الكتب.

ولمواجهة كل ذلك ينطلق الناشرون الإسبان عموماً من مَثل أو حكمة شائعة تقول «الذي لا يتجدد يموت»، وعليه نجد لديهم الحرص المتواصل على المواكبة والتجديد من حيث الشكل والمضمون والوسائل، ومن يعجز عن هذه المواكبة لا يتردد بالانسحاب، لأن سوق النشر الضخم وشديد التنافس لا يسمح بالتكاسل والركون إلى أسلوب ثابت حتى وإن كان قد نجح سابقاً، وما أكثر دون النشر العريقة التي اختفت وأخرى باعت اسمها لمدراء جدد كي يجددوها، وما أكثر الدور الجديدة التي ظهرت وسرعان ما اختفت فيما استطاعت أخرى النجاح وإيجاد مكان لها في السوق.

أكبر دارين للنشر في إسبانيا، ومن ثم في عموم النشر باللغة الإسبانية، هما (بلانيتا) و(الفاغوارا)، ولكل منها مبانيها المستقلة وعاملين بالمئات إن لم يكونوا بالآلاف إذا ما حسبنا فروعها في بلدان أميركا اللاتينية، وهذا يجعلها أكثر حرصاً وعملية واشتغالًا على عدم الخسارة، فلأنها كبيرة ستكون خساراتها كبيرة، فكما يُقال: إن سقوط حصان ليس كسقوط نملة. ومن بين ما تقوم به هذه الدور الكبيرة مثلاً، شراء الدور الصغيرة التي تنجح، مع الإبقاء على الاسم وطاقم العمل فيها وخط نشرها الذي نجحت به، ثم تضيف إليها خبرتها ودعم إمكانياتها فتزيد من نجاحها، كما أن لهذه الدور جوائز سنوية مغرية في مجالات عديدة، وأبرزها الرواية طبعاً، الأمر الذي يجذب إليها الأعمال الجديدة والجيدة، وبالتالي المزيد من الترويج، هذا إضافة إلى تعاقدات هذه الدور مع الدولة والمؤسسات للقيام بطباعة منشوراتها والترويج لها.

آراء وخبرات

هنا نستعرض بعض آراء أبرز الناشرين الإسبان حول نقطتي التحديات التي تواجههم ورؤاهم وأساليبهم لمواجهتها، تقول مارثيلا ثيراس، مديرة النشر في دار بلانيتا: «إننا نبحث دائماً عن قصص جيدة يمكنها أن تصل إلى الكثير من القراء، فليس بالضرورة أن القصص التي كانت ناجحة منذ أعوام تهم القراء اليوم، وعليه فمن الضروري جدا الآن أن نتعلم الاستماع للقراء دون وضع توقعات وتقييمات مسبقة وأن نكون قادرين على إيجاد القصص التي تهمهم».

ويؤيدها خواكيم بالا، مدير عام دار ر. بي. ا. بالقول: «تحديات اليوم هي التحديات الدائمة أو المعتادة نفسها، والحل هو مواصلة التقصي عما يهم الجمهور وتقديمه لهم على شكل كتب بأفضل طريقة ممكنة».

إنريكه ريديل من دار امبديمينتا، يقول: «إننا نقوم بعملية تحليل لارتفاع أو انخفاض نسبة البيع بين عام وآخر، ونحاول تشخيص ودراسة أسبابها وأسباب تزايد عزوف القراء عن الدخول إلى المكتبات، الأمر الذي يقلل من المدخول وبالتالي يهدد وجود المكتبات نفسها، ومن تلك الأسباب أن القراء محدودي الدخل يبتعدون أكثر عن أماكن بيع الكتب، وأن الناس الذين كانوا يشترون في السابق ولو لمجرد الشراء، قد تخلوا عن ذلك.. بل وكفوا حتى عن عادة الدخول إلى المكتبات بدافع الفضول على الأقل».

ويضيف: «وعليه فإن لم يستطع قطاع النشر إعادة تجديد نفسه فعلى الأقل إنه بحاجة إلى التكيف مع الوضع، وأن يجعل العرض مناسباً للطلب حسب الظروف الجديدة لقارئ اليوم، مثلاً: يتم نشر عناوين أقل في السنة وبنسخ أقل، وبهذه الطريقة يمكن تحقيق نوعاً من المكاسب، لابد من التفكير ملياً بالكتاب ليس كنص أو ترجمة جيدة فحسب وإنما أيضاً كمنتَج فني جميل وجذاب من حيث الشكل بحيث يعجبنا نحن أولاً كأشخاص فنتمنى اقتنائه. الحرص على إرضاء القارئ الحقيقي وليس التوهم بإرضاء مَن لا يقرأ أصلاً، لأن هذا الأخير لن يقرأ مهما فعلنا من حيث الشكل، وعليه فنحن لن نتخلى عن دورنا في التقييم الحقيقي لمحتوى نصوص الكتب ذاتها أولاً. العمل على التعاون المتبادل مع المكتبات ودعمها لأنها هي القنوات الطبيعية للبيع، وهي التي تساهم في صنع اسم الدار أيضاً، فبإمكاننا أن ننجح ونكبر معاً، وعليه فقد تعززت العلاقة مؤخراً عبر التفاهم والتعاون والتنسيق والانسجام المتبادل بين دور النشر والمكتبات وتوسعت من خلال: تقديم الكتب، هدايا مع شراء الكتب، أماسي، ندوات، الإصدارات الشهرية، قوائم الأكثر مبيعاً.. وغيرها».

ويؤكد: «ما زال قطاع النشر قوياً، فاليوم يتم النشر كثيراً في إسبانيا، بل ربما أكثر من أي وقت مضى، وعلينا أن نحرص على مواصلة كسب ثقة القارئ وجذبه إلى سوقنا لأننا نبيع أشياء ملموسة ولا نبيع الهواء. لدينا جودة في المواضيع وفي الترجمة، وفي الطباعة والتصميم والإخراج الفني».

أما خوليان رودريغيث، عن دار بيريفيريكا، فيرى بأن: «قطاع النشر يعاني من أزمتين مختلفتين هما الاقتصادية والأزمة التي يسببها دخول الكتاب الإلكتروني على خط المنافسة، وللتعامل معها قمنا مثلاً بتأخير عرض الكتب إلكترونياً لصالح الكتب الورقية، وعززنا علاقاتنا مع أصحاب المكتبات والتباحث معهم فيما يرونه ونراه لصالح استمرار ونجاح سوق الكتب».

ومن دار روكا، تقول المديرة بلانكا روسا روكا: «إن أول التحديات هو الحرص على البيع أكثر ومن سبل تفعيل ذلك مثلاً تخفيض الأسعار في مناسبات معينة كمعارض الكتب، وأعياد الكتاب والحب وغيرها. ومن التحديات القوية التي تواجه قطاع النشر ويجد صعوبة في معالجته تماماً، هي القرصنة، فقد أصبح من السهل تحميل كتاب مجاناً، وفي أوقات الأزمات الاقتصادية تشكل القرصنة إغراءً كبيراً للقارئ وتدفعه للقيام بها».

وتضيف: «لذا فنحن نتعامل مع خدمة إلكترونية متخصصة لتعقب منشوراتنا في شبكة الإنترنت على مدار السنة، وتعمل على محو وإزالة الأرشيفات والكتب المقرصَنة من إصداراتنا، ويصل الأمر أحيانا أن عملية التقصي هذه تعثر على ما يقارب الثمانمائة مادة تخص منشوراتنا شهرياً».

الاستهلاك الثقافي

لويس سولانومن دار ليبروس دي الاستيرويده، يؤكد: «انخفاض الاستهلاك الثقافي عموماً، وعليه فلابد من مواصلة البحث في كيفية تطوير السوق الإلكتروني الذي يحترم حقوق المؤلف والناشر ويتيح الأرباح الكافية من أجل مواصلة اكتشاف ودعم وتطوير المواهب الإبداعية الجديدة، والقيام بذلك بشكل واعي ومنظم دون الإضرار بما تم إنتاجه سابقاً وطبيعة الوضع الحالي. البحث عن طرق تحفيز الطلب على الكتاب كي لا ينهار السوق وذلك عبر إنتاج كتب جيدة وتسويقها بشكل جيد، إضافة إلى التعامل مع المكتبات بشكل تفضيلي لأن دورها أساسي في مسألة نشر الثقافة، وهي مهدَّدة مؤخراً بسبب صعوبات الحصول على قروض ودعم استثماري وبسبب الانخفاض الحاد للشراء منها. كما يجب تطوير السوق الإلكتروني عبر العمل على تخفيض الضرائب على الكتاب الإلكتروني، فليس من المنطقي أنها الآن بنسبة 18%، وكذلك العمل على تخفيض الضرائب على المنتج الثقافي بشكل عام، والوصول إلى أسعار مناسبة فعلاً وواقعية لتكلفة الكتاب الإلكتروني، لأنه يجب أن يكون أرخص من الكتاب الورقي بنسبة 20 إلى 30% على الأقل. وكون سعر الكتاب الإلكتروني رخيصاً فذلك بفضل أرباح الكتاب الورقي التي تدعمه، لذا فالإشكال سيكون إذا تقلص بيع الورقي وأن الجمهور قد اعتاد على أسعار منخفضة، عندها سيكون من المستحيل تقريباً العودة إلى رفع الأسعار. لابد لنا أيضاً من المراهنة الواثقة على تنشيط حُب القراءة عبر التربية وفي مختلف مراحل التعليم، وهذه هي الطريقة الأصح كي نوسع من قاعدة القراء في البلد، والتي لا تزال أقل نسبة من الدول المحيطة بنا».

ومن دار ليبروس ديل كا. أو. يقول اميليو سانتشيث: «لقد اعتدنا في إسبانيا عموماً إعادة النشر كثيراً وإعادة ترجمات الكثير من الكلاسيكيات، لذا فنحن في دارنا قررنا التركيز أكثر على الإبداعات الجديدة، كتب حسب الطلب، مثلاً: يوميات وسِيَر كُتاب واقعية وليست نصوصاً خيالية، مواد ومواضيع أكثر جرأة، نراهن على التحقيقات الصحفية المهمة، وهذا أمر مهمَل إلى حد كبير في نشر الكتب. أما عن التوزيع فقد حاولنا إعطاء أهمية أكبر للبيع المباشر عبر الإنترنت، ولكن يبدو بأن أغلب الكتب لا تزال تباع عن طريق المكتبات بالأسلوب التقليدي بنسبة 90% من مبيعاتنا، أما مبيعات الكتاب الإلكتروني فلا تزال منخفضة جداً، وأعتقد بأنها تحتاج إلى زمن أطول كي تصبح وافية ومناسبة للاعتماد عليها».

ويضيف اميليو سانتشيث: «إن دور النشر الصغيرة أكثر قدرة على احتمال تقلبات السوق من الدور الكبيرة التي أصبحت مؤسسات، بينما الصغيرة تكاد تكون عبارة عن جهاز كمبيوتر في البيت وموظف واحد أو اثنين، ففي أرض معركة رمالها متحركة تكون حركة مجموعة صغيرة تحارب حرب عصابات أكثر فاعلية وأقل تكلفة وأحسن تدريباً من جيش كبير بكل تكاليفه ومعداته».

وعن تجربتها في دار نشرها الصغيرة «ايراتا ناتوراي» تقول إيرينه انطون: «بما أننا لا نزال شباباً ودارنا جديدة وصغيرة، فإننا في طريق التَعلم، ومن استراتيجياتنا التي نطبقها وتلخص مفهومنا للاستمرار بالإخلاص لمبادئ هذا العمل وفي الوقت نفسه التجديد هي: السلسلة الجديدة التي أصدرناها متخصصة بالفلسفة المبسطة للأطفال. ومما تعلمناه من تجربتنا أن الكتاب الواحد نفسه لا يناسب كل فصول وأوقات السنة، بحيث صرنا نختار العناوين والمواضيع المناسبة لإصدارها في الوقت المناسب كي تكون فرصة نجاح بيعها أفضل، وهذه بعض السبل لمواجهة الأزمة. ليس على الناشر أن يغامر كيفما كان ويسارع لتبني أي كتاب «بيتسلر» رائج عندما يقل البيع، وإنما أن يأخذ بنظر الاعتبار دائما جمهوره الخاص إذا كانت لديه موضوعات عرف بها تميزه في منشوراته، كما نعمل على تحسين التوزيع خارج حدود البلد».

أما لويس ماغرينيا من دار آلبا فيشدد على: «استثمار المناسبات الثقافية كذكرى ميلاد أو موت كاتب كبير وتقام الاحتفائيات العديدة الرسمية وغير الرسمية بذكراه، والبحث عن الأعمال الكلاسيكية النادرة والغريبة التي لم يتم الانتباه لها سابقا ضمن الكلاسيكيات المتعارف عليها».

ويؤيده في ذلك خسوس اخيدو، من دار «الملك لير»، مؤكداً: «استثمار معارض الكتب وخاصة بحضور المؤلفين للتوقيع، إضافة إلى التعاون مع دور نشر أخرى، مما يقلل من تكاليف المشاركات في المعارض ويوسع عدد القراء ويزيد من عدد عناوين الإصدارات بحيث يصل أحيانا إلى 140 عنواناً في السنة».

فيما يحرص خابيير خيمينيث من دار «فوركولا» على: التعامل المباشر مع الجمهور قدر الإمكان سواء أكان ذلك وجهاً لوجه أو عبر الإنترنيت، وللنجاح لابد من التجدد المستمر، عدم الركون إلى الوصفات الجاهزة، التحلي بالشجاعة والخيال المبدع والاستعداد للمجازفة والتضحية أحياناً، ففي النهاية، إن الإصرار على المقاومة للمواصلة يتطلب الشجاعة.

ومن دار غادير يرى خافيير سانتيان، أن القاعدة هي تقليص التكلفة والأسعار ومن ذلك تقليل عدد النسخ لكل طبعة، العمل على تصدير الكتب والاستفادة من فَرق العُملة، العمل على تعايش الكتابين الورقي والإلكتروني، وأن نكون جاهزين للطباعة وتوزيع أي منهما حسب الطلب.. ويبقى الأهم هو الاستمرار بالبحث عن كتب ذات قيمة حقيقية.

أما الينا راميرث من دار «سيكس بارال» المعروفة، فتنبه إلى: «أهمية استثمار المناسبات مثل أعياد الميلاد، عيد الأب، عيد الأم، يوم الكتاب وغيرها، العناية بانتقاء أسماء الكتاب الناجحين والذين لهم قراء، الحرص على الخصوصية في الشكل والمحتوى التي عُرفت بها الدار، معرفة كيفية التعامل مع الذي لا يباع، بحيث يتم البحث عن صيغ لإعادة تسويقه سواء في أماكن مختلفة عن السابقة أو بعرضه عبر تخفيضات لافتة. وفي وقت الأزمة انخفضت نسبة المبيعات لما يقارب 20% ولكن لايزال الكتاب يعتبر من أفضل الهدايا وأقلها تكلفة، ولابد من أخذ ذلك بنظر الاعتبار. هناك دائماً احتمال أن يشكل كتاب ما مفاجأة بالنجاح، وإذا ما تم ذلك، فعلى الناشر أن يبذل كل جهده للوصول بهذا النجاح والترويج له واستثماره حينها بسرعة وإلى أقصى حد».

لن نهجر «الورقي»

جان مارتي، من دار بلاكي بوكس، فيقول: «بالنسبة لنا، لن نهجر الشكل الورقي للكتاب وإنْ كنا نجرب طرقاً جديدة للترويج له مثل: شبكات التواصل الاجتماعي، الدعاية في فيديوهات قصيرة، بطاقات دعائية، مسابقات قراءة.. إلى جانب أننا نحاول إيجاد سبلاً إبداعية بالحث على القراءة كإصدار دفتر لجدول مقتَرحات للقراءات، خاصة في العطلة الصيفية أو أثناء السفر أو في مناسبات أخرى.. وهكذا».

تقلبات السوق

يقول اميليو سانتشيث من دار «ليبروس ديل كا. أو.»: «إن دور النشر الصغيرة أكثر قدرة على احتمال تقلبات السوق من الدور الكبيرة التي أصبحت مؤسسات، بينما الصغيرة تكاد تكون عبارة عن جهاز كمبيوتر في البيت وموظف واحد أو اثنين، ففي أرض معركة رمالها متحركة، تكون حركة مجموعة صغيرة تحارب حرب عصابات أكثر فاعلية وأقل تكلفة وأحسن تدريباً من جيش كبير بكل تكاليفه ومعداته».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا