• الثلاثاء 06 رمضان 1439هـ - 22 مايو 2018م

عبر مينائها نُقل البخور واللبان والبن إلى العالم

محمية «بير علي» منتجع السياحة البيئية في اليمن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 20 يوليو 2009

مهيوب الكمالي

يتم الإعلان عن بعض مناطق برية أو بحرية ذات معالم جغرافية معينة وأنظمة بيئية فريدة ومتنوعة على أنها محميات يجب الحفاظ عليها وعلى الأنظمة البيئية أو المعالم الجغرافية الفريدة فيها التي تتمتع بها، ومنع تدهورها أو تعرضها لأضرار الاستخدام غير السليم، مع ضرورة تعاون السكان المحليين لأنهم المؤثرون فيها والمتأثرون بها.

يوجد في اليمن حوالى 37 منطقة حساسة بيئيا أو ذات نظام بيئي متنوع وفريد، ومنها محمية «بير علي» وهي منطقة بيئية شهيرة تربط بين سمات البحر وصفات الشواطئ والبر الجميل.

الصفاء والنقاء

تقع هذه المحمية على الشريط الساحلي اليمني في محافظة شبوة تحديدا في مديرية رضوم، حيث يدخل الزائر إلى منطقة ساحرة ببحرها شديد الزرقة ورمال ساحلها الأبيض، تبهره بجمال تكويناتها، فيرى الزائر مناظر رائعة ولوحات فنية صافية متناسقة. حيث تعد «بير علي» منطقة سياحية بامتياز، ويلفت أنظار السياح سواد جبالها البركانية، إذ يقع بها تل بركاني يشرف على المدخل الجنوبي الغربي للخليج. بينما الهدوء يدعو للاستجمام على كراسي شاطئها المصنوعة من أشجار النخيل والتمتع بمنظر سمائها النقية الصافية من غبار مداخن المصانع والورش الصناعية في المدينة. يقول أحد سكان منطقة المحمية: «إنها محمية طبيعية جميلة تطل بمينائها التاريخي على بحر العرب، تقع على بُعد 120 كيلومترا غرب منطقة المكلا و140 كيلومترا جنوب منطقة عتق. أما سكان مديرية رضوم البالغ عددهم أكثر من 53 ألف نسمة فيعملون في الصيد».

حصن الغراب

لدى هذه المحمية أسرار تبوح بها فقط للزائر حينما يأتي إليها، فتلهمه بدلالات شعرية ومعاني عظمة الخالق المبدع. و سميت «بير علي» كذلك نسبة إلى قرية «بئر علي» وهو اسم القرية الحديثة المتعارف عليها حاليا، إذ كانت المنطقة تعرف باسم مينائها القديم المشهور «ميناء قنا». كما يوجد في شرق القرية بحيرة «شوران» وهي عبارة عن بحيرة بركانية تتصل بمياه بحر العرب وتعد البحيرة من المنتجعات الصحية السياحية. أما المحمية فمحاطة بجبال وتلال بركانية، وعند زيارة المحمية يحرص السياح على زيارة «حصن الغراب» الواقع على قمة أحد جبال المحمية في الجهة الجنوبية الشرقية، ويرجع اكتشافه إلى العام 1834 حيث رست السفينة الإنجليزية «بالينورس» في ممر ضيق قصير مغلق من أحد جانبيه بجزيرة منخفضة ومن الجانب الآخر بصخرة قائمة وعرة عليها بقايا حصن قديم. كما عثر في الطريق الصاعد إلى قمة جبل حصن الغراب على كتابة أثرية.

مرفأ عالمي

تشير المصادر التاريخية إلى أن «السوق الحر في منطقة المحمية هو الاسم القديم لمحمية «بير علي» وكان يطلق عليه اسم «ميناء قنا» الشهير الواقع على ساحل البحر العربي من أشهر الموانئ التجارية في العصر القديم. واعتبر ميناء قنا قديما أهم موانئ الجزيرة العربية بعد عدن، نظرا لأن السفن كانت تجد مكانا تحتمي فيه في تلك الميناء عندما تهب الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث يبعـد عن عدن بحوالى 5 أميال إلى الشرق في خليج صغير تحيط به الجبال من عدة جهات. وكان الميناء قديما بؤرة التجارة بين بلدان البحر المتوسط والهند والخليج، حيث نقل عبر المحمية (البخور واللبان والبن اليمني) عن طريق البر إلى دول البحر الأبيض المتوسط، بواسطة القوافل وعن طريق البحر لاحقا، وكانت تنقل إليها توابل الهند وسلع شرق أفريقيا. وقد كانت المحمية مأهولة وتم سكنها قنا في القرون الرابع والخامس والسادس للميلاد، حيث سكن حصنها اليزنيون في (منتصف القرن السادس الميلادي ـ525) وقد شاركت في التجارة البحرية ولكنها لم تكن كما كانت في سابق عهدها كمركز تجاري دولي. كما شهد القرن السابع والثامن الميلادي انتهاء الأهمية التجارية لها بسبب تغير خطوط طريق التجارة البحرية والبرية وهبوط الطلب على سلعة اللبان، وورثت ميناء الشحر في حضرموت مكانها. وقد جاء ذكر المحمية أو اسمها السابق ميناء قنا عند ابن المجاور (القرن 13 الميلادي) باعتبارها محطة في طريق الحج. كما ذكر اسمها في الخرائط البحرية في (القرن 15 الميلادي) ضمن اسم للجزر الخمس التي تحيط بالميناء.

كارثة بيئية

تتعرض المحمية اليوم للدمار بعدما أعلنت «الهيئة العامة لأبحاث علوم البحار والأحياء البحرية» في اليمن أن «محمية بير علي تشهد دمارا بيئيا خطيرا ناتجا عن شركات النفط القريبة من المحمية في منطقة بلحاف النفطية المتاخمة للمنطقة حيث تتسرب بعض الزيوت الخام في المنطقة المذكورة مما يسبب في نفوق أعداد كبيرة من أسماك الجمبري في المحمية».فيما حددت الهيئة مساحة بحرية تقدر بنحو 3 أميال بحرية شرق وغرب المنطقة التي حدث فيها نفوق أسماك الجمبري وبعض الأسماك في منطقة بلحاف. وأشار نائب رئيس الهيئة، المهندس صالح سالم عوض، إلى أن الهيئة «سلمت مذكرة تفصيلية عن الحالة التي ظهرت في هذه المنطقة وتسببت في نفوق الأسماك في شهر يونيو الماضي إلى مندوب الشركة العاملة في المنطقة مرفقة بخطاب من رئيس المجلس المحلي محافظة شبوة تتضمن السماح لفريق بحثي يضم خمسة من كبار الباحثين برئاسة رئيس الهيئة الدكتور أسامة الماس للقيام بأعمال المسوحات العملية البحثية في تلك المنطقة ومعرفة الأسباب ونوعية التلوث الذي تسبب في نفوق بعض الأسماك ووفاتها وبكميات كبيرة وتعفن بعضها». على الرغم من كل ذلك.. ما تزال محمية «بير علي» تتميز بجوها النقي الطبيعي ومناظرها الجميلة الصالحة للاستثمار السياحي في عبر ممارسة الاستجمام الصحي ورياضة المشي والصيد والغوص وتسلق الجبال، وتعد المحمية مشهورة بوجود أنواع عديدة من الأسماك وبكميات تجارية.. لكن المنطقة تحتاج حاليا إلى البنية التحتية التي تساعدها على النهوض السياحي البيئي، إذ تعد بيئة المحمية صالحة لبناء منتجعات صحية جميلة أيضا، حيث تقتصر الزيارات السياحية حاليا على الرحلات العشوائية المنظمة من قبل الوكالات السياحية المحلية فقط.

• كشفت التنقيبات الأثرية للبعثة اليمنية السوفيتية عن الدور الذي كانت محمية بير علي تلعبه قديما حين استُخدمت كمرفأ على الطريق الممتد إلى الهند منذ النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد. ولم تكشف الحفريات الأثرية عن الفترات الأقدم لها، وكانت الميناء الرئيسي لليمن القديم في تجارة الترانزيت من (القرن الأول وحتى القرن الرابع الميلادي) وقد ذكرت في النقوش اليمنية القديمة بخليج «البير» و» فرضة» وكذلك «ميناء ـ ملك حضرموت» كما جاء في النقش الموسوم بـ(Ir.13) بالعبارة التالية (حيقن/ قنا/ مجدح/ ملك/ حضرموت) وجاء اسم المحمية والميناء في النقوش اليمنية القديمة بصيغة (ق ن أ). • وجدت بعثة استكشافية من ضمن آثار منطقة المحمية أجزاء من كتابات بلغات قديمة لحضارات مختلفة منها (الإغريقية والنبطية) وعلى جزء مـن إناء عليه كتابة بالخط المصري القديم الهيروغليفي، وكتابة بالخط الصيني، وكتابات بالخط اليمني القديم «المسند» مما يدل على أن المنطقة كانت تضم ثقافات مختلفة لأقوام جاءوا من مختلف أرجاء المعمورة ليمارسوا التجارة حيث مثلت محمية «بير علي»- الميناء، أهم سوق حرة في العالم القديم. • في عام 2004 اكتشفت بعثة تنقيب بريطانية نفقا يربط وادي دوعن الحضرمي، بمدينة حريضة -(تقع بالقرب من ريبون التي أقيمت على انقاض مدينة مذاب التي يعود تاريخها إلى ما قبل الاسلام ويوجد فيها معبد «سين» أو معبد القمر لمملكة حضرموت القديمة)- عبر ميناء قنا التاريخي في «بير علي». كما وجدت نقوش وكتابات قديمة غارقة في القدم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا