• الخميس 02 ذي الحجة 1438هـ - 24 أغسطس 2017م

أحمد راشد ثاني الجزر الذي انكسر والماء الذي انحسر والحلم الذي اندحر

أنت في سلامك الأبدي.. ادع لنا بسلام الطوية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 مارس 2012

علي أبو الريش

في غرفة نافذتها جاورت همس الشجر المتوسم ملامح الخضرة، المتوسد مدى الشارع الخلفي كان يربض المشاغب الجميل، صائد المفردة الشقية، المتربص لفكرة تخطفه بعيداً عن حراس الكلمة، كان أحمد راشد ثاني يرتل الزمن في المسافة ما بين اللحظة واللقطة في البعد الوجودي، الذاهب بعيداً في المعاني، المقتص من رهط وغلط ولغط، المحتفي برقصة الطير وهفهفة الأوراق، فوق عنق وشوق، واحتراقات مشاعلها، وهج النظرة، وبريق المقل، ولباقة الكلمة حين تكون حتى آخر رمق.. في تلك الغرفة في مبنى هيئة أبوظبي للثقافة ينكب راهب الكلمة، متقصي البحث، ناهلاً منتعلاً طاقته الداخلية، مستجمعاً عناصر صحته، ليوم قريب يفصح فيه عن دخان أبيض لا مروض، ولا مهيث، يقبض من خلاله على طيوره، فارداً جناح ألقه وقلقه وربقة الألم الأبدي، متربعاً مترفعاً يافعاً كأنه العقاب المتمترس عن غابة الوله، كأنه الرضاب المتحدر من سلالة النشوة الأزلية، كأنه الإياب في حفلة الفرح، عندما تحبل الفكرة بآلاف الفِكَر، ويتناسل الوعد ببهجة ولجة زرقاء غامقة غارقة في نبلها.

أحمد راشد ثاني، بنجابة النُخب ورحابة الترب، وصخب البحار وغضب الأوار، كتب أيقونة الحياة، مستفتياً قلبه، منحازاً إلى ذات نقَّاها البحر من شوائب، وارتفع بها الموج عن خرائب، كان ليكون بلا استكانة، كان كائناً أرق من ورقة كتب عليها جملته الشعرية، كان المنطقة المتوارية خلف زخم العبارة وحرارة المفردة، كان يعرف من أين وكيف يغرف وكيف يعزف، ولماذا ينزف ويُتْلف ويكلف.. كان القدرة في الصبر “كحصاة صبره” في مجموعته المنشودة والمعهودة في زمن تتفتت فيه حتى حصى “الصنقلان”، كان الوجل المتعجل في البث والنث والحث، والتصويت دوماً لصالح الجملة التي ليس لها لون غير لون الصراحة، وبابتسامة أشف من ريق العصافير كان يغرس في الهديل متسرباً في مساحة أبهى وأزهى من نسمة بحرية صباحية، تداعب وتشاغب، متطالباً بحب الأوفياء واشتياقات العاشقين المدنفين الذاهبين عميقاً في النسيج، القابضين على جمرة مسكرة.

غرفة الصمت

أحمد راشد ثاني في غرفته النائية في الصمت، المتناهية بضجيج الأنفاس وشهقات القلب المتألم، كان يقطن وحيداً مع مفرداته، مستأنساً ببنات أفكاره، متوحداً مع آلهة الشعر، يخص نفسه بالانهماك والعكوف ببسالة ونبل المتصوفين، يحض الفكرة لأن تلد فكرة ليكبر المعنى وتتسع دائرة الحَبَل، يخض محمل جعبته، منكباً، مسهباً في تأليب الذاكرة لتحلب وتجلب وتخصب وتحدب وتتسرب في معطف الزمن، متفشية بصلابة وقوة ونقاء وصفاء، لذلك كانت أبحاثه المتأنية، متفانية في الرصانة، متعافية من أي ركاكة أو ضعف، كان شعره دائماً يرتكب خطيئة الخلاص من آثام المباشرة، كان يسرج خيوله في العتمة فلا يرى غير القامة الرشيقة، والصهيل المتفجر من شؤون وشجون وفنون مرفوع دائماً بلا سكون.

أحمد راشد ثاني خصَّنا دوماً بالأسئلة الكبرى، كما كان يطلق أسئلته في فضاءات لا تتسعها سوى قصيدته ولا تحمل معانيها غير جملته الشعرية كان يتعاطى الكلمة بقيمة الكبار وشيمة الأخبار، كان يختزل عمره بقراءة وبحث، وكان يدوزن الزمن بأحلام التواطؤ مع الوضوح في التصريح والصراحة في التوضيح، ورغم مرضه وتعبه لكنه لم يكن يتألم بقدر ما كان يتأمل ما بعد المرض، وكيف هو الكائن البشري بعد الكلام، وحين يبدأ الصمت الأبدي.. كان لا يتوخى الإجابات الجاهزة كان لا يستوعب أبداً أن تصمت الكلمة، حتى وإن تسربلت الفكرة بإغلاق النهايات وأصفاد ما قد يكون أو لا يكون من بدايات.. كان مستلباً حتى النخاع بشيء اسمه القيم الإبداعية، يتابع، يلاحق أسماء، يتقصى ويتفحص ويحرص على معرفة من لا يعرفهم.

أحمد راشد ثاني الجزر الذي انكسر والماء الذي انحسر، والحلم الذي اندحر، ولكن بقي منه الرحيق والبريق، والألم الرشيق، والقلق الأنيق، وأشواق العشاق المسربلين باحتراقات، وما تمادى في الرأس من وهم الكلمات وعصيان الفكرة وعصي العبرة واحتمالات تستوجب الانحناء لها رغم جسارة الموت ورهبته وموهبته الفائقة في الاستيلاء، وطاقته المفعمة في الاحتواء وقدرته على الاختفاء في جسد نحل قبل مجيئه بعمر، ولم يتوسل إلا لغير إبقاء الفكرة حية حيوية، متناهية في العظم رغم ذوبان الجسم تحت وطأة آلام القلب الذي خان وما صان، وتبين أنه قلب لم يحفظ ود البقاء لإنسان كان يتوجب إبقاءه ليكمل دورة عطائه ويستكمل بعض نصوصه التي بقيت مشرعة تسأل عن سبب الغياب. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا