• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

أفول ما بعد الحداثة (2-2 )

بعد ما بعد الحداثة.. استعادة الإنسان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 يناير 2014

د. معن الطائي

في الحلقة السابقة من مداخلته النقدية الموسومة بـ «الأسئلة البعدية في الفكر النقدي المعاصر»، ناقش الدكتور معن الطائي أسئلة الحداثة سواء لجهة السؤال الاجتماعي وارتباط هذه الحركة الفكرية بحركة التصنيع في المجتمعات الغربية، أو لجهة سؤال الفرد والهوية وأثر التبدل في الهياكل الاجتماعية التقليدية وتغير نمط العيش في تلك المجتمعات على الفرد، لينتقل بعد ذلك إلى سؤال اللغة والمعنى بين البنيوية وما بعد البنيوية، ليصل من ثمَّ إلى التحولات الثقافية في الفكر النقدي المعاصر، مستعرضاً بدايات التململ من النموذج الثقافي لما بعد الحداثة. وخلص الطائي إلى أن ما بعد الحداثة لم تستطع تجاوز ذاتها وانكفأت على نفسها، من خلال النزعة الانعكاسية الذاتية والنرجسية المفرطة والنوستالجيا التي حولت التاريخ إلى سلسلة من الذكريات المشتتة وغير المترابطة. .. هنا يستكمل الدكتور الطائي مداخلته النقدية.

بدأت ملامح المرحلة القادمة (بعد ما بعد الحداثة) بالتشكل من القضايا والمقولات والأطروحات التي أهملتها ما بعد الحداثة وسعت إلى تهميشها وإقصائها. إن تلك الملامح الجديدة للمرحلة التاريخية القادمة تشبه إلى حد بعيد الملامح التي تميزت بها مرحلة الحداثة الغربية، ولكنها لا تتطابق معها بالكامل. إنها عملية إعادة إحياء واعية وانتقائية ونقدية لبعض جوانب الحداثة، ما قد يساعد في تجاوز أزمات ما بعد الحداثة دون أن يعمل على خلق أزمات جديدة أخرى. يؤكد مالكوم برادبري على أن المرحلة القادمة ستكون عبارة عن (حداثة جديدة) تحل محل سكونية ومحدودية النمط ما بعد الحداثي الذي تحول إلى مجرد نوستالجيا فارغة تتوسل بالمعارضة والتناص والاستعارات المتكررة ولا تطرح أي جديد.

ضد «موت الإنسان»

من أبرز الجوانب التي بدأت الثقافة الغربية باستعادتها من مرحلة الحداثة هي إعادة إحياء النزعة الإنسانية وتجاوز مفهوم «موت الإنسان» الذي ظهر لأول مرة مع الحركة البنيوية واستمر فيما بعد البنيوية. وقد رصدت الباحثة (نيكولاين تيمر) عودة الاهتمام بالنزعة الإنسانية (وقضايا الذات والذاتية في مجالات علم النفس والعلوم الاجتماعية في الغرب مع بداية التسعينيات من القرن العشرين، بعد أن كانت قد تعرضت للتشويه والتشكيك والتفكيك في مرحلة ما بعد الحداثة. من أبرز مظاهر عودة النزعة الإنسانية في مجالات العلوم النفسية والاجتماعية حسب تيمر، الاهتمام المتزايد بالتجربة الإنسانية ودلالاتها وتفاعل الوعي مع العالم الخارجي والإشكاليات الوجودية للذات التي تظهر نتيجة تغير السياقات الاجتماعية والثقافية. فلم يعد النسق أو النظام هو القوة الفاعلة والمهيمنة على الذات الإنسانية، تلك الذات التي تحولت مع ما بعد الحداثة إلى بؤرة تقاطع الخطابات، وفقدت وحدتها وهويتها. غير أن صورة الذات الإنسانية التي بدأت بالظهور مجدداً في الدراسات والبحوث الفلسفية والنفسية والاجتماعية لا تتطابق مع صورة الذات النرجسية المتضخمة التي جسدتها الحداثة. إنها ذات تموضع نفسها في شبكة من العلاقات المتبادلة مع الذوات الأخرى، كما عبر هابرماس عن ذلك في فلسفته النقدية التواصلية.

كما بدأت مرحلة الجديدة بالانفتاح على العالم الخارجي والتحرر من سجن اللغة وسجن الخطاب. وفي مقابل التصور ما بعد البنيوي وما بعد الحداثي للإكراهات التي يخضع لها الوعي الإنساني من قبل الخطاب المهيمن على الفضاء الاجتماعي ومؤسساته المتنوعة، قدم المفكر الألماني يورغن هابرماس تصوره عن ما يدعوه (بالفضاء العمومي).

فقد سعى هابرماس من خلال جهده الفكري المتميز إلى تجسير الفجوة بين عالم الأنساق والعالم المعيش. يشكل مفهوم (الفضاء العمومي)، وهو من اختراع الفيلسوف الألماني كانط، مفتاح الممارسة الديموقراطية في نظر هابرماس. ويعرف (الفضاء العمومي) بوصفه دائرة التوسط بين المجتمع المدني والدولة. والرأي العام هو وسيلة المواطنين للضغط على الدولة. تكتسب مفردات مثل «الفضاء المفتوح» و«الرأي العام» و«التبادل العقلاني» أهمية بالغة في الخطاب الثقافي لبعد ما بعد الحداثة بشكل عام، وذلك لأنها تقف بالضد من مفردات روّجت لها ما بعد الحداثة مثل «فضاء القوة والهيمنة» و«القهر والكبت والتهميش» و«المصالح الفردية المتطرفة» و«اللعب واللا عقلانية المطلقة». ومع استثمار مفهوم (الفضاء العمومي) تنهار تلقائياً جميع مقولات فوكو وليوتار ودريدا حول عنف الخطاب والسرديات الكبرى وتعطيل فاعليات التواصل اللغوية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف