• الاثنين غرة ربيع الأول 1439هـ - 20 نوفمبر 2017م

دأب كبار أساتذة علم الاقتصاد على كشف مئات الثغرات في نظرية «دعه يذهب، دعه يمرّ» التي يقوم عليها الفكر الرأسمالي

إدارة الأسواق والاقتصاد الصلب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 29 مايو 2016

نوح سميث*

يحتاج الكتاب الجديد الذي أصدره أستاذان في جامعة كاليفورنيا في مدينة بيركلي هما «براد دولونج» و«ستيفن كوهين»، تحت عنوان «الاقتصاد الصلب» Concrete Economics ويقع في 900 صفحة، إلى كثير من التتمات والشروح الإضافية على رغم أنه مزدحم بالمخططات والرسوم والبيانات والنظريات، وعامر بقائمة طويلة من النماذج الدراسية المستقاة من التاريخ. ويمكن لهذا الكتاب أن يصبح بمثابة «إنجيل» جديد تهتدي به حركة التصنيع الجديدة التي بدأت لتوّها بتلمّس طريقها القويم بعد أن كانت غارقة في لجّة المفاهيم الضبابية للأسواق الحرة المعاصرة.

و«دولونج» باحث متخصص في التاريخ الاقتصادي، و«كوهين» باحث متخصص في التخطيط العمراني والهندسة البيئية. وتتركز فكرتهما الأساسية على أن «التاريخ» أكثر أهمية من «النظريات» عندما يتعلق الأمر بوضع السياسة الاقتصادية، وبأن السياسات لا تقل أهمية عن الأسواق ذاتها. ولا تستند أفكارهما حول السياسة الاقتصادية على النظريات الشهيرة الشائعة التي تشرح الأسلوب المناسب لإدارة الأسواق والطريقة الملائمة لتعامل الحكومات معها، ولن تعثر في صفحات الكتاب على أي طرح يتعلق بالأساس الذي قامت عليه الأسواق الحرة ولا عن التعاليم الاشتراكية.

ويفضل المؤلفان بدلاً من ذلك، اصطحاب القارئ في جولة يستعرضان من خلالها سلسلة من الأمثلة التاريخية عن السياسات الاقتصادية التي أثبتت بعض النجاح. ويستهلاّنها بنظرية ألكسندر هاملتون لحماية الصناعات الناشئة، وسياسة الإنفاق على البنى التحتية، وتشجيع الصناعة المصرفية وقطاع التصنيع. وتتعدد هذه الأمثلة لتشمل تشييد خطوط السكك الحديدية، وإعادة توزيع الثروات، وسياسة التصنيع على أسس علمية التي انطلقت في أواسط القرن العشرين. ويستعرض المؤلفان ما يكتنف كلاً من هذه السياسات من عوامل القوة التي تستحق الإشادة وعوامل الضعف التي تستحق النقد وإعادة النظر.

ونستشفّ من هذه القصص أن السياسة الاقتصادية الأميركية خرجت عن السكة المرسومة لها في عقدي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عندما بدأ قادة الولايات المتحدة بالتوقف عن اختيار الأساليب الناجحة في التسيير الاقتصادي وشرعوا في تبنّي سياسة ناقصة الأركان يمكن أن نطلق عليها مصطلح «أصولية التمسك بالسوق الحرة». وقد حدث هذا عندما سمحت الولايات المتحدة للأسواق بأن تقرر بذاتها نوع الأحداث الكبرى التي ستقع في المستقبل. ويقول المؤلفان إن هذه السياسة عرقلت مسيرة قطاع التصنيع وأضعفت قدرة قطاع الرعاية الصحية على توزيع خدماته على المواطنين كافة من دون تمييز، وعندما حلت أزمة عام 2008، تبيّن للجميع أن الرعاية الصحية في الولايات المتحدة لم تعد كافية على الإطلاق، وأن عملية التمويل الحكومي كانت تتضمن من العيوب والنقائص ما جعلها أداة لخلق العقبات أمام تحقيق الفرص الاقتصادية بدلاً من أن تساهم في تحفيزها وخلق الفرص الجديدة.

وفي حقيقة الأمر، وخلف الأسوار الأكاديمية، أصبح التعصب للأسواق الحرة يمثل فكرة عتيقة فاتها الزمن. وقد دأب كبار أساتذة علم الاقتصاد على كشف مئات الثغرات في نظرية «دعه يذهب، دعه يمرّ» التي يقوم عليها الفكر الرأسمالي، وهي التي تضمن للناس الحرية المطلقة في إدارة أعمالهم ومصالحهم من دون تدخل الحكومة. وهذه الأطروحات والأفكار الجديدة التي ينادي بها كبار منظري الفكر الاقتصادي، والتي بقيت حبيسة أبراجهم العاجيّة، هي التي تشكل الآن المادة الأساسية لكتاب «دولونج» و«كوهين».

ولكنّ «دولونج» و«كوهين» فضّلا عدم التركيز على تصحيح وترقية تلك النظريات القديمة، وآثرا تجنّب وضع أطروحات بديلة للاقتصاد الليبرالي الحديث، بل فضلا بدلاً من ذلك تلخيص وتأطير الأفكار الجديدة المتعلقة بالسياسة الاقتصادية ضمن مصطلحات يمكن للغالبية العظمى من الناس فهمها.

* أستاذ مساعد في العلوم المالية بجامعة «ستوني بروك» – نيويورك

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا