• الأحد 04 شعبان 1438هـ - 30 أبريل 2017م

الرحيم يغفرها جميعاً بالتوبة

لا يأس من رحمة الله.. حتى مع الإسراف في الذنوب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 14 أبريل 2017

أحمد محمد (القاهرة)

قال أهل مكة، يزعم محمد أن من عبد الأوثان، وقتل النفس التي حرم الله، لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم، وقد عبدنا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله، فأنزل الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، «سورة الزمر: الآية 53»، وقال ابن عمر، نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا، وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به، وكان عمر كاتباً، فكتبها إلى عياش والوليد، وأولئك النفر، فأسلموا وهاجروا.

وقال ابن عباس إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة، فنزلت هذه الآية. قال الإمام السعدي، يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال، قل يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين الله، مخبراً للعباد عن ربهم، يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب، لا تقنطوا من رحمة الله، لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعاً من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار، إنه هو الغفور الرحيم، وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع.

وقال الإمام البقاعي في «نظم الدرر»، لما حذر - سبحانه - في هذه السورة، فطال التحذير، وأودعها من التهديد، وصادع الإنذار والوعيد، وختم بالحث على الإيمان، والنظر السديد في العرفان، وكانت كثرة الوعيد ربما أيأست، ونفرت وأوحشت، وصدت عن العطف وأبعدت، قال تعالى، مستعطفاً مترفقاً بالشاردين عن بابه، متلطفاً على لسان نبي الرحمة، قل يا أكرم الخلق، وأرحمهم بالعباد، ربكم المحسن إليكم يقول يا عبادي، جابراً لهم، الذين أسرفوا، وتجاوزوا الحد في وضع الأشياء في غير مواضعها، حتى صارت لهم أحمال ثقال على أنفسهم، فأبعدوها عن الحضرات الربانية، وأركسوها في الدنايا الشيطانية، لا تقنطوا ولا ينقطع رجاؤكم، وتيأسوا وتمتنعوا، فمن رحمة الله، المحيط بكل صفات الكمال، لا يمنعكم ذلك القنوط من التوبة، التي هي باب الرحمة، إن الله الجامع لجميع نعوت الجمال، والجلال والإكرام، فكما أنه متصف بالانتقام، هو متصف بالعفو والغفران، يغفر إن شاء الذنوب جميعاً ولا يبالي، لكنه سبق منه القول إنه إنما يغفر الشرك بالتوبة عنه، وأما غيره فيغفره إن شاء بتوبة، وإن شاء بلا توبة، ولا يقدر أحد أن يمنعه من شيء من ذلك.

إنه وحده الغفور، البليغ المغفرة، بحيث يمحو الذنوب مهما شاء، فلا يعاقب ولا يعاتب، الرحيم المكرم بعد المغفرة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا