• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

الحروب العبثية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 17 يناير 2016

كلما شاخ العالم، ينأى في الزمن، وكلما غاب الماضي في الزمن بدا فقده فادحاً، وكلما بدا الفقد فادحاً كان الزاهد يحفظ في قلبه ذكراه الغامضة بلا عزاء، فيصبح الحنين أشد وقعاً ويتسع ليصبح القلق أثقل، وكلما ثقل القلق في الروح يكظم الحلق وترتقي مرونة الصوت، هو الفجر الأول والشمس الأولى. إن التجربة الأكثر أذى التي عرفتها البشرية ليست الشر ولا المال ولا الإبادة، ولا السلطة وكل الاضطرابات التي تسببها، وكل المشاعر الوهمية التي توقظها، بل الحرب التي دمرت الوجه البشري، ولم تبق منه إلا أشلاء، تيه مدهش، وحيد الوجه، أخرق عاصف ورهيب.

لقد أسفرت الحروب عن مئات ملايين القتلي ومئات الآلاف من الجرحى وعدد لا يحصى من المفقودين والأسرى، وعشرات المليارات المهدورة، وحالات مأساوية لا تخطر ببال أحد، لكن الأخطر من ذلك هو الأثر النفسي الذي تحدثه ويجعل كثيراً من القيم تساوي صفراً، طالما أن قيمة الحياة نفسها مهددة في الصميم.

هذه هي رسالة مسرحية الجنة تفتح أبوابها متأخرة، التي قدمتها فرقة سومر على أحد مسارح كوبنهاغن، وكانت المسرحية قد قدمت في أوائل الألفية الثالثة في تونس على مدار ساعة ونصف الساعة، وأعادت فرقة عراقية مغتربة عرض المسرحية التي في أعماقها وملامسة حنايا الروح لدى كل من حضر العرض، عبر فانتازيا حوارية دارت بين الزوج العائد بعد عشرين عاماً في الأسر عقب انتهاء الحرب، والزوجة التي ظلت تنتظر عودته، وتحاور عالماً منشغلاً بالقتل والحروب والاعتقال.

المفاجأة أن الزوجة لم تتعرف إلى الزوج العائد بعد هذه السنوات التي قضاها وراء القضبان، كان اللقاء بينهما مملوءاً بالانكسارات الداخلية، في لحظة الشاشة الباثة للوعة فرد محكوم بحرية غالية الثمن، صوته صوت الإنسان الضاحك، الحر، الصعلوك الملكي في الزمن البائس، عائد يمشي في حقل من الألغام ومع ذلك يريد أن يرقص، أن يسير مغمض العينين إلى حبيبته، أو إلى وردة بعينها يهديها إلى من يحب.

ما زالت الزوجة تتنكر لهذا العائد الذي أصبح الماضي بالنسبة له طفولة منسية ومهملة، ولم يعد قادراً على مواجهة ليله الفظ. هو محتشد بالخوف والضياع والرغبة والاحتمالات، وهي تقف بمنتصف المسافة بين الماضي الذي لم يمض تماماً، والمستقبل الذي لم يقبل بعد الزوج يحاول استنبات زهرة لنفسه من ذلك الخراب، يسقياه بالبراءة وقليل من التمرد والأمل، والزوجة تصر على التنكر له وتعتبر قدومه مصادفة، بل موتاً لا قيمة له، كما لا قيمة أو معنى للحب وللذكريات التي يحاول إيقاظها، في ظل ظروف تحرمنا فرص الحياة نفسها.

تتصاعد هذه الفانتازيا بين الزوجين الغريبين، غربة الوطن الضائع، والغربة القابعة في أعماقنا داخل الوطن وخارجه رسخت الإحساس عند العائد باللاجدوى، طالما أن الحياة عينها كانت يمكن أن تنتهي بمصادفة عبثية في لحظة الذروة، دون أن نعتبرها لحظة انفراج، هي نهاية لا تعني توقفاً بقدر ما هي بداية لتكرار الأحداث داخل الزمن في مكان مختلف، فالتوقف هنا استمرار لا انتفاء، وأمام هذه النهاية يجد المتفرج نفسه كجزء من العرض إزاء فجوة معرفية داخل النص، يقوم بتجاوزها بوسائله الذاتية من دون تلقين خارجي، وحين يتحقق ذلك يكون المشاهد توصل إلى حالة مستبصرة من الرؤية الذاتية يمكن أن نطلق عليها الوعي. ذا التواصل والامتداد يمثل نوعاً من التحذير من شهوة الهدم والظلام والقتل والاعتقال وسفك الدماء التي يطلقها غياب الوعي الجمعي ويزيدها استعاراً ويسبغ الشرعية على الأخطاء القاتلة التي لا يدفع ثمنها إلا جموع البشر عبر التاريخ.

حسن العاصي -

فلسطيني مقيم في الدنمارك

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا