• الأربعاء غرة ذي الحجة 1438هـ - 23 أغسطس 2017م

في المعرض العام للفنون التشكيلية بالشارقة

باتريشيا وباولو يمجدان المشاعر الإنسانية

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 03 مارس 2012

جهاد هديب

في المعرض السنوي الثلاثين لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية المقام حاليا ويستمر حتى الحادي والعشرين من إبريل المقبل، الذي تقيمه الجمعية بالتعاون مع إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ومؤسسة الإمارات للنفع الاجتماعي وإدارة متاحف الشارقة ومتحف الشارقة للفنون يشارك بجانب الفنانين الإماراتيين والعرب المقيمين فنانين أجنبيين هما: البريطانية باتريشيا ميلينز بعمل يحمل عنوان “في مسلخ العشق” والأحرى أن يكون العنوان “على مذبح العشق” مأخوذا من روح إحدى قصائد جلال الدين الرومي. والإيطالي باولو ماريا بعمل يحمل عنوان “انتظار”.

ينتمي العملان إلى اتجاهات راهنة في الفنون التشكيلية وما يحدث فيها من جدل في العالم ضمن مسارين: الأول: التعبير عن الأفكار متجسدة في عمل فني مفاهيمي لا يقول المعنى صراحة بل عبر التأويل ومثال ذلك عمل الفنانة باتريشيا “على مذبح العشق”.

والثاني: تركيب عناصر فنية وغير فنية في سياق عمل فني يحتفظ بفكرة كلاسيكية مسندية اللوحة لكنه يكسرها في الوقت نفسه مع العمل التركيبي ومثال ذلك عمل الفنان باولو ماريا “انتظار”.

ولجهة التوصيف، فإن “على مذبح العشق” عبارة عن ثلاث دوائر من الكؤوس المقلوبة رأسا على عقب وتخبئ في أسفلها خلف الزجاج ناصع الشفافية ما يُعرف بقلوب الحب الحمراء التي يتبادلها المحبون في الأعياد مصنوعة من (غترة) عربية غالبا أو قماشة حمراء مطرزة بالأبيض أو بيضاء مطرزة بالأحمر، كما ان هناك كؤوسا تخبئ ورودا جافة باللون الأحمر ذاته، فضلا عن كأس واحدة فيها ما يشبه الطِلَّسْمات أو الرِقْيات الخاصة بجلب الحبيب من غيابه أو لفت انتباهه إلى العاشق. في حين يتوسط الدوائر الثلاث جميعا كأس أكبر اتحدت فيها يدان من الخشب على نحو متعاكس في رباط من نوع ما يدركه المرء بالنظر أكثر مما يمكن الحديث عنه.

بالتالي، مع جلال الدين الرومي في العنوان – العتبة ومع ما يتضح من علامات يرسلها التكوين الفني بكل مرجعياته الثقافية وغير الثقافية، فإن صنيع باتريشيا ميلينز “على مذبح العشق” يأتي من أجل تمجيد المشاعر الإنسانية والإعلاء من شأنها في أزمنة المدن الصعبة والاستهلاك المريع الذي يطحن مشاعر الفرد ويجعله ينسى أهم ما يحتاج إليه المرء ليستمر بوصفه كائنا حيّا: أي مُحبّا ومحبوبا معا.

غير أن باتريشيا ميلينز ليست فنانة فحسب بل هي منتجة أفكار حول الفن، وتحسن الحديث عن عملها في المعرض فتشير إلى أنه: “الحب يتجسد مقابل الموت”، أي الاستمرار مقابل الفناء، وذلك في سياق محاولة من الفنانة تجسيد الاستعارة الشعرية للرومي بمعناها المتصوفي لكنْ بإعطائه بُعدا دنيويا، الأمر الذي يجعل تأويل هذا الحب أمرا ممكنا باختلاف العصور والأمكنة.

أما “انتظار” باولو ماريا فيقيم المعنى في منطقة أخرى تماما، فالعمل عبارة عن خمس لوحات تتوسطها خمس صور ذات طابع شخصي مأخوذة من خمس مدن من العالم، حيث كل لوحة تحمل اسم مدينة يتقدمها كرسي عادي خشبي وُضع عليه إناء من النوع الذي تجمع فيه الأتربة وبقايا الردم والحفر والتهديم حيث يختلط الحديد بالتراب ليعطي الشكل معنى ما: كيغالي (أفريقيا): جوع كافر وابتسامة لطفلة لا تدرك ما الذي يخبئ لها المستقبل. وبيروت: كل شيء ينهار، ولا شيء سوى الدمار وخلط الحديد بالرمل وما كان بما هو كائن اليوم. وبرلين: حياة متقشفة حيث كل شيء طاوله الصدأ، خاصة ذكريات مَنْ كانوا هنا، كما لو أن بقايا الردم الحديدية هي أسلحة قتل بدائية اخترعها الإنسان الأول في مرحلة الصيد.

الحرب إذن، هي ما أراد باولو ماريا أن يدينها بعمله التركيبي هذا. تبدو الحرب لحظة واحدة تتكرر إلى الأبد في كل أنحاء العالم، حتى عادت ذاكرة الناس هي الحرب بحد ذاتها، كما لو أن الجماعات باتت تؤرخ لحضورها الإنساني بالانتصارات والهزائم وليس بالفن. هكذا يرثي باولو ماريا العالم كما عهده وعرفه. الحرب هي فكرة الفنان عن العالم وبالتالي هي ذاتها فكرة العمل عن بقاء الفرد في العالم.

هكذا فإن الحب والحرب، إذ هما نوعان من المشاعر الإنسانية المتناقضة التي يتوجه بهما الفرد إلى الأفراد الآخرين أو الجماعات لتكون خطابه الإنساني، تمثلان جامعا مشتركا بين: “على مذبح العشق” لباتريشيا ميلينز و”انتظار” لباولو ماريا.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا