• الأحد 04 شعبان 1438هـ - 30 أبريل 2017م

كيليطو في كتاب «الأدب والغرابة» فتح الأدب على الحداثة

خلخلة المألوف النَّقدي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 أبريل 2017

عبد السلام بنعبد العالي

في حواراته المتأخرة، لا يبدو أن عبد الفتاح كيليطو لا يزال متحمّسا لكتابه الأول «الأدب والغرابة»، فهو بالكادّ يعتبره ذا فائدة مدرسية. وبالفعل فهذا الكتاب قد قُرّر منذ سنوات ضمن برامج التعليم الثانوي في المغرب. وعلى رغم ذلك، فربما لا ينبغي حصر قيمته في هذه الوظيفة التعليمية، كما لا يكفي، للحكم عليه، النظرُ إليه قياسا إلى الكتب التي ظهرت بعده، وإنما ينبغي قياس أهميته بمراعاة الظرفية النظرية والنقدية التي ظهر فيها. نقصد بالأساس المفهومات النقدية التي كانت سائدة وقتئذ في الكتابات العربية، وكذا «الثورة السيميولوجية» التي كان الفكر الفرنسي على وجه الخصوص يعرفها آنئذ، وبالأخص مع كتابات موريس بلانشو وجيرار جينيت ورولان بارت، تلك الثورة التي كانت تعكسها مجلتا «شعرية» و«تواصل». كان لازما إذاً زحزحة المفهومات النقدية وفتحها على الخارج، وإخراجها من عاداتها التي سكنت إليها لمدة ليست بالقصيرة، وإضفاء قليل من الغرابة عليها.

خارج الألفة

بالفعل، فإن السؤال الأساس الذي يطرحه كيليطو في هذا الكتيب هو بالضبط: كيف نخرج عن المألوف؟ كيف نصبح على هامش الألفة؟ وكيف نخلق عالما ينبض بالحياة والجدّة؟ وهو يجيب: «إذا أراد المرء أن يتجدَّد فما عليه إلا أن يغترب، أن يبدّل مقامه، أي يغرُب كما تفعل الشمس» (ص. 72) فطوبى للغرباء! إن الوفاء لعالم الألفة لا يعني التآلف معه والالتصاق به، كما أنه «لا يعني الانفصال الكلي عن عالم الغرابة» (ص. 120). و«إلا فلماذا يشعر السندباد بحاجة ملحة إلى رواية تجاربه ولماذا صار كل من سمع بقدومه يجيء إليه ويسأله عن حال السفر وأحوال البلاد فيخبره ويحكي له ما لقيه وما قاساه». ذلك أن التفكير بالغرابة وفيها هو الذي يحيلنا إلى ما ألفناه، «والغرابة لا تبعدنا عن همومنا ومشاكلنا الحالية» (ص. 66) بل إنها على العكس من ذلك هي طريقنا إلى الألفة الحق. لذلك يلجأ كيليطو إلى محاورة نصوص من تراثنا الأدبي، وإلى المؤلفات القديمة التي يتأكد عندها شعورنا بالغرابة (ص. 12). وهو يعتقد أن موضوع الغرابة والألفة لا يخص نوعاً واحداً من الأنواع الأدبية، «لا يخص البلاغة والخطاب الشعري وحدهما، بل يمكن رصده في ميادين مختلفة من الثقافة العربية» (ص. 75). بل إنه يلجأ إلى ما ظلّ غريباً مهمَّشاً داخل النصوص القديمة ذاتها، وإلى ما لم يُعترف له بهوية، ولم يستحقَّ حتى اسم النص.

يحاور كيليطو إذاً مجموعة من النصوص الكلاسيكية من أجل «تملّكها»، من أجل أن تصبح أليفة «حق الألفة» إلا أنه يعتقد أنها لا يمكن أن «تقترب منا إلا إذا بدأنا بإبعادها عنا». ومن أجل هذا الإبعاد يحاول إذكاء حدة التوتر بيننا وبين تلك النصوص. وهو يستنطق الصورة التي استطاعت أن ترتسم لدينا عن الأدب الكلاسيكي، بل وعن الأدب أيا كان، فتفرض مجموعة من المفهومات التي ألفنا استعمالها فغدت من بداهاتنا بحيث يبدو السؤال حولها أمراً غريباً.

تحقيقاً لذلك، يقف المؤلف في القسم الأول من كتيّبه عند الألفاظ التي نتداولها بصدد النقد الأدبي، فيحاول خلخلة منطق الهوية الذي يتحكم فيها، ويحمِّلها معنى واحداً جامداً ويفصلها عن حياتها ومخاضها، ويغفل إرادات القوة التي تتصارع من ورائها. غير أنه إذ يفعل ذلك فلا ليخلص إلى بداهات مغايرة وليقيم حقائق أخرى ينتظر منا أن نألفها من جديد. فعندما يعرض لمفهوم «النصّ» على سبيل المثال، لا يشعرنا أنه بصدد تقصي معناه الوحيد الذي يصدق عليه في جميع العصور وعند جميع الثقافات، لا يشعرنا بأنه بصدد البحث عن حدٍّ جامع مانع، وبأن الصعوبات التي تعترضه صعوبات منطقية، إنه على العكس من ذلك، يحاول أن يبرز كثافة المعنى الذي يُقرَن بهذا اللفظ، وإرادات القوة التي توجد من ورائه والتي تتحكم في ثقافة ما، فتقبل أن تُسمِّي هذا الكلام نصّا وترفضه لآخر. وهذا شأن مفهومات أخرى كـالأدب والسرد، بل وفنون أخرى اعتدنا أن ننظر إليها على أنها جاهزة مثل البلاغة التي عادةً ما نتكلم عنها و«كأنها شيء واضح المعالم معروض أمامنا ببساطة وما علينا إلا أن نقطف ثماره».

قد يقال: وما هذه إلا وظيفة النقد أيا كان. فالنقد، بما هو كذلك، لا بد وأن يقحم السلب ويخرج عن المألوف ويرفض ما أصبح طبيعة ثانية. فكل نقد هو خروج من الألفة نحو الغرابة! يجيب كيليطو إن النقد المعتاد، إذ يودّ اجتياز العتبة التي تفصل «فضاء الألفة عن فضاء الغرابة» والذات عن الآخر، والحاضر عن الماضي، فإنه «لا يبصر العتبة» (ص. 12) وسرعان ما يردُّ الغرابة ذاتها إلى الألفة ويوحِّد الماضي بالحاضر، والآخر بالذات، فيجعل الهوية «تلتهم» الاختلاف. وعندما يدرس النقاد هنا التراث الأدبي يطرقونه بتوظيف مفهومات ومن خلال إشكالات معاصرة فيُسقطون عليه هموم الحاضر، ويجرُّونه إلى عالمنا المألوف «وغالباً ما يتحوَّل النقد عندهم إلى تاريخ للأدب، كما يكتب رولان بارط، أعني أنهم يجعلون من الأدب موضوعاً ثقافيًا محدداً منغلقاً على ذاته كما لو كان يتمتع بتاريخ خاص به، تاريخٍ تثبت داخله قيم كما لو كانت نوعاً من الأصنام المغروسة في مؤسساتنا. إن ما ينبغي البدء بالقيام به أساسا [...] هو زعزعة فكرة الأدب ذاتها». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف