• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

من المبكر الحديث عما إذا كان دوترتي سيحقق في الفلبين ما حققه في «دافاو» حينما حولها من مرتع للجريمة إلى واحة للأمان

الفلبين في قبضة زعيم مثير للجدل!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 22 مايو 2016

د. عبدالله المدني*

تملك الفلبين الطبيعة الساحرة، والبحر والشمس، ومساحة تتجاوز 300 ألف كلم مربع، والثروات الزراعية والمعدنية، والشعب الخلوق متعدد الثقافات، والكوادر العلمية والحرفية المؤهلة في مختلف المجالات، وبالتالي لا ينقصها شيء، لتكون في مصاف جاراتها الناهضات في جنوب شرق آسيا، سوى الأمن والاستقرار الداخلي المحفز على قدوم الاستثمارات الأجنبية، ولأنها افتقدت هذا العامل، فإن أحوالها الاقتصادية تراجعت إلى الحضيض (خصوصاً مع النمو المستمر لعدد السكان، واستشراء الفساد في مفاصل الدولة، وتراجع سعر صرف العملة المحلية (البيزو)، واستمرار الحرب الأهلية في جنوب البلاد) إلى حد إطلاق اسم «رجل آسيا المريض» عليها، وإنْ كانت قد حققت بعض النمو الاقتصادي غير المسبوق في عهد رئيسها المنتهية ولايته بنينو أكينو.

ويمكن القول إن أوضاع الفلبين ازدادت سوءاً بعد ثورة «قوة الشعب» في عام 1986 التي أطاحت بالديكتاتور فردينداند ماركوس وبطانته الفاسدة. فخلال السنوات التي حكم فيها الأخير، عانت البلاد من الفساد والمحسوبية والاحتكار والنهب المنظم للثروات، ولكنها في المقابل تمتعت بفترة طويلة من الاستقرار والأمن بسبب استخدام ماركوس للقبضة الحديدية ضد مثيري الشغب ومنتهكي الأمن واللصوص والمجرمين والعصابات المحلية.

واليوم تأتي إلى سدة الرئاسة شخصية من خارج الطبقة السياسية التقليدية المنتمية في الغالب إلى مجتمع مانيلا المخملي، والتي خذلت الشعب الفلبيني طويلاً، ولم تقدم له سوى الوعود الفارغة. وهذه الشخصية هي «ريدريغو دوترتي» (71 عاماً) الذي فاز مؤخراً في الانتخابات الرئاسية، بحصده نحو 40 في المئة من أصوات الناخبين البالغ عددهم 50 مليون نسمة تقريباً (نصف إجمالي عدد السكان).

والرئيس الجديد، الذي ينتظر تنصيبه رسمياً في 30 يونيو المقبل، محام وسياسي شغل منذ عام 1988 منصب عمدة مدينة «دافاو»، ثالث أكبر مدن الفلبين وأكبر مدن إقليمها الجنوبي «مندناو»، حيث قام بجهود جبارة في التصدي للخارجين على القانون وضرب أوكارهم، بل قيل إنه شكل كتائب للموت في «دافاو»، فقتلت أكثر من ألف قاطع طريق ومجرم خارج إطار القانون، وقد استخدم إنجازاته البلدية تلك في حملته للتقرب إلى الناخبين من أجل الفوز بالرئاسة، بدليل أن شعاره الانتخابي كان عبارة عن قبضة يد، في إشارة بالغة الدلالة على سعيه إذا ما انتخب للضرب بقبضة حديدية ضد الخارجين على القانون والفاسدين والمجرمين، وربما ضد نفوذ الساسة التقليديين، وذلك من أجل إحداث التغيير الذي طال انتظاره لجهة محاربة الفقر وتحقيق العدالة والمساواة وتعزيز الأمن.

وإذا كان البعض قد نظر إلى هذا الأمر من زاوية الخوف من عودة الديكتاتورية إلى الفلبين في ظل دوترتي، خصوصاً بعدما أدلى الأخير بتصريحات مثيرة للجدل مثل أنه سيقوم باستئصال الجريمة من البلاد خلال ستة أشهر فقط، ومخاطبته لزعماء عصابات الإجرام بقوله: «أنتم أيها المجرمون، من الأفضل لكم أن ترحلوا.. لأني سأقتلكم»، ثم مخاطبته لهم مرة أخرى بقوله: «أيها المتورطون في تهريب المخدرات.. يا أبناء الكلاب، سأقتلكم جميعاً وأرمي بجثثكم في خليج مانيلا.. إنني متعطش لتنفيذ ذلك»، ناهيك عن قوله: «المسؤولون الفاسدون يجب أن يتقاعدوا أو يموتوا»، فإن البعض الآخر كان له رأي مختلف مفاده أن البلاد في حاجة إلى رئيس قوي يجيد الضبط والربط ويحسم الأمور دون إبطاء، كي يعود للنظام والأمن هيبتهما المفقودة منذ ثلاثة عقود، بل إن هذا البعض عبر صراحة عن أن دوترتي ما كان ليهزم منافسيه الأربعة في السباق الرئاسي، وجلهم من الشخصيات المعروفة وكبار رجال الأعمال، لولا تصريحاته ووعوده بالقضاء سريعاً على الجريمة ومعها البطالة والفقر والفساد، أي تناغم خطابه مع تطلعات الجماهير التي كانت قد خرجت في تظاهرة ضخمة في أكتوبر 2013 بحي المال والأعمال في «ماكاتي» للتنديد بالفساد المحيط بالصناديق المالية للدولة.

وإلى ما سبق، نقلت عن الرئيس المنتخب تصريحات أخرى مثيرة للجدل، جعلت بعض وسائل الإعلام تشبهه بالمرشح الأميركي للرئاسة «دونالد ترامب» لجهة المواقف الانفعالية المتطرفة، وتصفه بـ«ترامب الشرق». ومن هذه التصريحات شتم بابا الفاتيكان لأن زيارته إلى الفلبين في العام الماضي تسببت في ازدحام مروري منعه من الوصول إلى المطار، والتهديد بقطع العلاقات مع أستراليا والولايات المتحدة بسبب تدخلهما في الشؤون الداخلية لبلاده، ودعوته إلى تغيير دستور البلاد من أجل تحويل نظام الحكم من رئاسي إلى برلماني، وإشارته إلى عدم اكتراثه بحقوق الإنسان حينما يتعلق الأمر بمعاقبة المجرمين والفاسدين وزعماء العصابات.

ولعله من المبكر الحديث عما إذا كان دوترتي سيحقق في الفلبين ما حققه في «دافاو» حينما حولها من مرتع للجريمة إلى واحة للأمان. وبالمثل من الصعب التكهن عما إذا كان الرجل سيكمل مدة ولايته دون مفاجآت أو أحداث عاصفة، ذلك أن تاريخ الرئاسة في الفلبين في حقبة ما بعد ماركوس حافل بالمفاجآت التي تراوحت ما بين الانقلابات العسكرية الفاشلة المتكررة (كما حدث في عهد كورازون أكينو)، ومحاولات التمديد خلافاً للدستور (كما جرى في عهد فيدل راموس)، واعتقال الرئيس وإخراجه من السلطة بحجة عدم الأهلية (كما حدث للرئيس جوزيف إيسترادا)، ومحاكمة الرئيس بالفساد بعد انتهاء ولايته (على نحو ما حدث للرئيسة غلوريا ماكاباغال أرويو).

* أستاذ في العلاقات الدولية متخصص في الشأن الآسيوي، من البحرين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا