• الثلاثاء 30 ربيع الأول 1439هـ - 19 ديسمبر 2017م

جليد تزفه الشمس...

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 مارس 2012

مريم الرميثي

عاد من الخارج متأففاً يلعن الشمس وكل شيء، وحالما وقعت عيناه عليها صبَّ جل غضبه.. ركلها بقدميه العفرتين. بكت ترجوه أن يرحمها، أغرقتها الدموع الشلالة أمامه، لكنه لم يرأف لحالها وعاد للسهر مع رفقاء السوء. أكملت أمي المسكينة عملها في الخياطة كأنها تبوح بأوجاع قلبها للآلة التي تبقت من والدتها، وأنا أتكور في غرفتي كقط بلله المطر، حتى أرهقني البكاء وثقلت عيناي بالدموع فنمتُ.

مضت الأيام وكبرت الأحزان ترافقنا كظلنا، ما بقي في جسد أمي رقعة أثخنتها الآلام. حوائط بيتنا الصغير غدت سوداء لا بياض فيها، يبست الأشجار في حديقتنا. الجيران يشتكون من تهجم والدي السكير عليهم بالسباب والشتائم، ويقولون شفقة على حال أمي: “لو أنها تترك هذا السكير فما حاجتها للعيش معه؟”.

غدت عبارات الذم تلاحقني أينما ذهبت، في الجامعة، في الحي، تفزع أحلاماً وليدة.. فأنكمش في محلي وأغطي وجهي بما أحمله خشية أن تراني العيون وتمضغني الألسنة. ها أنا طالب مُنعزل عن الغير لا أصاحب زميلاً ولا من يشدَّ على يدي.

وليلة عدت من مكتبة الجامعة في وقت متأخر.. سمعت جلبة في الدار، هرعت للداخل لأجد أمي غارقة في الدماء. حملتها بين ذراعيّ، وعلى صدري ضممتها بحرارة، ثم زحفت بها خارج البيت أصيح بأعلى صوتي منادياً على الجيران ليساعدوني في نقلها للمستشفى.

هناك.. فارقت الحياة من منحتني الحنان الذي لم أجده في قلوب البشر.. كانت عيونها نور حياتي فأظلم الكونُ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا