• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

نجاح سياسة «أوربان» المالية في المجر، هو ما يرجع جزئياً إلى أن سوق السندات الدولي كان متسامحاً لحد مثير للدهشة مع سياسات رئيس الوزراء المجري غير الليبرالية

بولندا..واستنساخ سياسات المجر المالية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 مايو 2016

ليونيد بيرشيدسكي*

تجنبت بولندا تخفيضاً لتصنيفها الائتماني من «موديز»، كما أن التقييم الأخير لسياساتها من صندوق النقد الدولي كان مخففاً لحد ما. وعلى رغم أن الحكومة البولندية، ذات النزعة القومية، قد أثارت ردود فعل مناوئة مؤخراً، فإنها قد تستطيع الإفلات بنسخة من «القومية المالية»، مثل تلك التي نجح رئيس الوزراء المجري «فيكتور أوربان»، في تطبيقها في بلده. وقالت مصادر «موديز»، يوم السبت الماضي، إنها لن تحذو حذو مؤسسة «إس. آند. بي» للتصنيفات الائتمانية، التي خفضت التصنيف الائتماني لبولندا على نحو غير متوقع في بداية هذا العام. وفي تحليلها للاقتصاد البولندي وصفت «موديز» هذا الاقتصاد بأنه ضخم ومتنوع، وتوقعت أن تصل نسبة نمو الناتج القومي الإجمالي لبولندا إلى 3.5 في المئة في عامي 2016، و2017. وكانت مؤسسة التصنيف الشهيرة، قد وضعت بولندا قيد المراقبة مع توقعات سلبية، وعزت ذلك لقلقها من بعض التحركات الشعبوية، التي يمكن أن تكون مكلفة، مثل إعانة منافع الطفل، وخطط خفض سن التقاعد، ووضع حد أدنى للدخل القابل للضريبة، واحتمال حدوث أزمة في القطاع المصرفي إذا ما أوفت الحكومة بوعودها الانتخابية في إعادة هيكلة 500 ألف رهن عقاري مقومة بالفرنك السويسري. الفكرة الأخيرة بشكل خاص، تنطوي على مخاطر، يمكن أن تطال وضع بولندا كوجهة رئيسية للاستثمارات الأوروبية.

وعجز ميزانية بولندا، يمكن أن يتجاوز نسبة 3 في المئة المستهدفة من قبل الاتحاد الأوروبي، كما قد يستمر المستثمرون في التخوف من الخطاب القومي والحماسة الاشتراكية، لحزب «القانون والعدالة» الحاكم.

مع ذلك فإن سياسات «أوربان» في المجر، التي يبدو أن الخطط البولندية الناجحة قد بنيت عليها لحد كبير، ويمكن أن تنجح في بولندا أيضاً. عندما بدأ «أوربان» برنامجه عام 2010 وجد نفسه في مواجهة وضع مختلف عن الوضع الذي تواجهه حكومة الرئيس«أندجي دودا» ورئيسة وزرائه «بياتا سيدلو» في الوقت الراهن. فالحكومات الأربعة السابقة التي تولت في بولندا في فترة ما بعد الشيوعية، اتصفت بالإسراف، ولم تكن تسمح لعجز الميزانية أن يهبط عن معدل 4.5 من الناتج الاقتصادي. في حين أن الحكومات التي سبقت «أوربان» أبقت معدل نمو الناتج القومي الإجمالي فوق 6 في المئة، وقام «أوربان» بتخفيض هذا الرقم إلى 2.5 في المئة من خلال تطبيق ضرائب جديدة، وإجبار البنوك على بيع ما نسبته 0.6 من صافي أصولها.

في الوقت الراهن تتخذ بولندا، أو تخطط لاتخاذ، خطوات مماثلة لأنها تريد أن تصبح أقل شُحّاً مما هي عليه الآن- ولا يرجع ذلك لأنها كانت تبالغ في الإنفاق، حيث إن عجز ميزانيتها لم يزد على 2.6 في المئة العام الماضي. إلى ذلك تحرص حكومة حزب «القانون والعدالة» على التصرف بحرص: فالضريبة التي فرضتها، على نظامها المصرفي، أقل من مثيلتها المجرية-لم تزد على 0.44 في المئة من أصول تلك البنوك. كما أن المؤسسات المصرفية الأجنبية التي تسيطر على 70 في المئة من النظام المصرفي البولندي لا تفكر في مغادرة البلاد (عكس ما كان عليه الحال في المجر)، كما أن الضرائب التي فرضتها الحكومة قلصت من الإقراض لحد ما. ولكن ذلك حدث في المجر أيضاً. فنموها الاقتصادي كان صحياً على الأقل في السنوات الثلاث الأخيرة، منذ الانخفاض المؤقت في أسعار السوق عام 2012. وفي عام 2015 توسع هذا الاقتصاد بنسبة 3.2 في المئة، مقارنة باقتصاد بولندا الذي بلغ 3.6 في المئة.

ولكن بولندا لن تتمكن، على الأرجح، من أن تحذو حذو «أوربان» في مجال مهم، وهو مجال تقويم الرهونات العقارية بالفرنك السويسري، لأن قيام بولندا بتحويل القروض بأسعار مقبولة للمقرضين، يمكن أن يؤدي لكارثة في قطاعها المصرفي. في هذا السياق حذر صندوق النقد الدولي من أن«الاقتراحات المتعلقة بالتحويل الشامل للرهونات المقومة بالفرنك السويسري إلى الزلوتي»، ستؤدي في حال تطبيقها إلى تقويض الاستقرار المالي في بولندا، وإلى آثار عكسية للائتمان والنمو بها.

وسياسة «أوربان» المالية في المجر، نجحت لحد كبير، وهو ما يرجع جزئياً إلى أن سوق السندات الدولي كان متسامحاً لحد مثير للدهشة مع سياسات رئيس الوزراء المجري غير الليبرالية. فقد رأى الاثنان أنه طالما نجح «أوربان» في إبقاء أرقام الاقتصاد الكلي تحت السيطرة- وهو ما نجح فيه بالفعل- فإن المستثمرين الباحثين عن العائد، ستظل لديهم الرغبة في إقراض المجر، حتى لو كان الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي يتذمران علناً من الدور المتنامي للدولة في الاقتصاد، واستعداد «أوربان» لابتزاز الشركات الأجنبية الكبرى.

يصعب على حكومة حزب «القانون والعدالة» مقاومة ضغوط الاتحاد الأوروبي، لأن الحزب ينتمي إلى الفصيل الأضعف في البرلمان الأوروبي، كما أن المفوضية الأوروبية تحت رئاسة «جين-كلود يونكر»، باتت أكثر ميلاً للإجراءات التدخلية. ولكن البولنديين، مع ذلك، يبدون أقل لا مبالاة مما كان عليه حزب «فيديس» الحاكم تحت زعامة «أوربان»، فهم في واقع الأمر يسيرون على حبل معلق مشدود، وتحليل صندوق النقد الدولي يومئ أن عدم سقوطهم من هذا الوضع، يعني أنه يمثل خياراً قابلاً للبقاء. إذا نجح حزب «القانون والعدالة» في تجنب تخريب مالية البلاد، ونجح في تمويل بعض البرامج الاجتماعية التي وعد بتنفيذها في حملته الانتخابية، من خلال إجراءات مماثلة لإجراءات «أروبان»، وإن بصيغة أكثر اعتدالاً، فإن «القومية المالية» البولندية قد تؤمن بعض الشرعية، بل وربما بعض الجاذبية أيضاً خارج حدود أوروبا الشرقية.

*كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا