• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

الغارة التي شنها «داعش» على بن قردان، واستخدم فيها أساليب تكتيكية خطيرة، أثارت مخاوف من أنه يسعى لإقامة ملاذٍ آمن في تونس

ليبيا وتونس.. وتحديات «داعش»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 15 مايو 2016

سودارسان راجهافان*

يتذكر سكان مدينة بن قردان الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي لتونس والمتاخمة لليبيا، جيداً، ذلك اليوم الذي وصل فيه أفراد عائلات من المدينة إلى منطقة المقابر، وهم يحملون جثث أبنائهم وإخوتهم الممزقة بالرصاص، ليدفنوها جثة بعد أخرى في قبور غير مُعلّمة. والقتلى كانوا من مقاتلي تنظيم «داعش»، وجميعهم تونسيون كانوا قد عبروا الحدود إلى ليبيا في فترات سابقة، للالتحاق بفرع التنظيم هناك. وفي شهر مارس، عاد هؤلاء برفقة تونسيين متطرفين آخرين في محاولة لاحتلال مدينة بن قردان، وهي مركز للتهريب قريب من الحدود. وانتهت تلك المحاولة التي شهدت معارك دامية مع الأمن التونسي، إلى مصرع العشرات من المهاجمين. وقد عُدّ فشل محاولة احتلال بن قردان، التي عرفت طويلاً بأنها مدينة لتفريخ «الجهاديين»، نصراً لا شك فيه لتونس.

ولكن الهجوم وعواقبه، كشف عن هشاشة هذه الدولة الأفريقية الشمالية، التي تحاول جاهدة احتواء التداعيات المسمومة لـ«الربيع العربي»، كما مثل ذلك الهجوم أيضاً تصعيداً غير مسبوق في تحديات «داعش».

ومن المعروف أن التونسيين يشكلون أكبر نسبة من المقاتلين الأجانب المشاركين في القتال في سوريا والعراق. ولكن وبسبب الضربات الجوية الأميركية والروسية التي تقصف مواقعهم هناك، وقيود السفر، والضوابط الحدودية المطبقة، اتجهت أعداد أكبر من هؤلاء للالتحاق بـ«داعش» في ليبيا، التي تنتقل تداعيات الصراع الدائر فيها على نحو متزايد إلى تونس. والغارة التي شنها التنظيم على بن قردان، وقيل إنه قد استخدم فيها أساليب تكتيكية متطورة، أثارت مخاوف من أن مقاتلي «داعش» يسعون إلى إقامة ملاذ آمن في تونس، التي جعل ماضيها العلماني ونزعاتها الغربية منها هدفاً للمتطرفين الدينيين. وعقب الهجوم الذي تم من ثلاثة محاور على قوات الأمن التونسية في المدينة، أدلى محمد معالي «رئيس إدارة مكافحة الإرهاب في تونس» بتصريح قال فيه إنه: «من الواضح أن ليبيا قد باتت تمثل تهديداً لنا». وأضاف أنه: «نتيجة لتعرض مقاتلي داعش للضغط في سوريا، فإن ليبيا باتت هي وجهتهم الجديدة، لأنه لا سلطة فيها ولا نظام، وتعتبر جنة بالنسبة لهم».

وفي الوقت الراهن، تتوافر مؤشرات عديدة، على أن «داعش» يأمر مقاتليه الأجانب بالتوجه إلى ليبيا والبقاء هناك، وهو ما يبرز طبيعة الجغرافيا المتنقلة للشبكة الإرهابية، بعد مصرع الرئيس الليبي السابق محمد القذافي العام 2011.

ووفقاً لمسؤولي استخبارات أميركيين، ينظر المقاتلون الإرهابيون اليوم إلى مدينة سرت الليبية، باعتبارها خياراً بديلاً عن مدينة الرقة السورية مقر «خلافتهم» المعلنة في سوريا، في حالة سقوطها أمام هجمات التحالف. وعلى رغم صد الهجوم المنسق الذي شنه الإرهابيون على بن قردان، إلا أن هناك شعوراً جماعياً بالقلق ما زال مخيماً عليها. ومع أن السلطات التونسية كانت قد استكملت - تقريباً - في فبراير الماضي بناء حاجز من السواتر الرملية والخنادق المائية، يغطي نصف مسافة حدودها مع ليبيا التي تصل إلى 285 ميلًا، إلا أن ذلك الحاجز لم يحل دون مرور العديد من الإرهابيين -إن لم يكن كلهم- إلى المدينة قادمين من ليبيا قبل الهجوم بخمسة أيام. وعلى رغم أن قوات الأمن التونسية قتلت عدة مسلحين في منزل بالقرب من بن قردان في البداية، إلى أن المجموعة المتسللة، نجحت بعد ذلك في إعادة تجميع صفوفها، وشن هجوم خطير، على درجة عالية من التنسيق. وقالت مصادر الأمن التونسية لاحقاً، إنها قد اكتشفت بعد الهجوم منازل كانت تستخدم كملاذات آمنة في بن قردان، وعثرت فيها على أسلحة مهربة من ليبيا كانت مخزنة هناك، وهو ما يعد دليلًا على العلاقة بين «داعش» وبين كارتيلات التهريب التي تمول الجماعات الإرهابية، وتساعد على تأجيج الصراعات في المنطقة. ومنذ تلك الهجمات، قامت قوات الأمن التونسية بالقبض على عشرات المشتبه فيهم، كما فتشت ثلاثة مساجد يشتبه في ضلوعها في نشر تعاليم المتطرفين، وأغلقتها. كما منعت عبور الحدود مع ليبيا على التونسيين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً، ما لم يكن بحوزتهم خطاب موقع من أولياء أمورهم يحدد الغرض من توجههم لليبيا. ويقول كبار مسؤولي الأمن التونسي إن مثل هذه التكتيكات والتدابير ضرورية، وإن القلق بشأن حقوق الإنسان يعوق قدرتهم على وقف الإرهابيين.

وقد أدلى «معالي» رئيس إدارة مكافحة الإرهاب أيضاً بتصريح قال فيه: «نحن ما زلنا نتعلم الديمقراطية. ولكن بالنسبة لي شخصياً لا أفهم معنى مراعاة حقوق الإنسان بالنسبة لإرهابيين يريدون قتلنا».

وأضاف «معالي»: «إذا ما استمر الموقف على هذا النحو فقد نفقد السيطرة الكاملة على شبابنا... ونحن نخشى أن نجعلهم أكثر غضباً تجاه الحكومة، ونخشى من أن يؤدي ذلك إلى دفعهم لارتكاب كل أنواع الأعمال السيئة».

*مدير مكتب «واشنطن بوست» في القاهرة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا