• الثلاثاء 03 شوال 1438هـ - 27 يونيو 2017م
  12:16     النفط يرتفع لليوم الرابع مع تغطية مراكز مدينة والتخمة تقلص المكاسب         12:59     مصدر عراقي: مقتل مسؤول الطائرات المسيرة لدى "داعش" بقصف جوي في تلعفر     

الشاعر الإسباني فرانسيسكو بينو

هكذا أَفهَم الشِّعر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 فبراير 2015

د. محسن الرملي

الكلمات الفخمة هي

ثقوب القصائد

إن الشعر ليس وسيلة اتصال، وليس معرفة، أنما هو احتجاج.. تظاهرة وجودية، شيء ينبعث ليُعبر.. إنه يكمن هناك.. هذا هو الشعر: تظاهرة وجودية. وعليه فانه لا يحتج لولا وجود حياة وحقيقة.. أو وجود.

***

إنني أرى بأن كل الشعر متوحد بالحس الديني، فالدين مشتق من كلمة إعادة الارتباط والتوحد.. إعادة الارتباط بما هو مطلق ولا متناهي في كل إنسان، إعادة الارتباط بالرب ومن ثم الارتباط بهذا الخلق الذي نبدعه. إن الكلمة التي لا تحمل شيئا ألوهياً هي كلمة ليست شعرية، فالمطلق يستعيد وجوده في الكلمة. وهذا الحس الديني نجده حتى عند الشعراء الذين لا يعلنون تدينهم والملحدين.

***

في الشعر، لا بد من الملاحقة.. ملاحقة ملمح ما.. وإن كان يستحيل اللحاق به، وهنا يكمن الشعر.. في (الملاحقة) فهناك تقبع روح كل شيء، وتجب الملاحقة رغم الخوف، ذلك لأن الشعر فزَع. إنه يسير على حبل خطر يهدد بالسقوط.. يهددك بأن لا تكون أحداً. فإذا لم يُفزع الشاعر ما يكتبه، فعلى الأقل.. يهزه.

***

إن الشعر ليس كلمة وحسب.. إنما هو أيضاً حقيقة وصمت. والحقيقة هي مكان وزمان، إله، موت، حماس.. كتلة تعني: هذا هو عيش، هذا وجود، فثمة لغة للوجود أيضاً. اللغة العالية: العتمة، الفراغ، الليل...

***

الشعر هو تلمس مباغت يظهر في دواخلك: ترى القصيدة التي ستصنعها مثل شعاع قوي من أشعة الشمس قد يعميك، وبعدها عليك أن تمنحه شكلاً، أن تكثفه في قصيدة، تترجمه إلى قصيدة، وهكذا عليك أن تجسد عملاً ضمن مبدأ، حتى وإن كنت تكتب بلا مبدأ واضح. عليك إدخاله في منظومة، توجزه إلى نشيد، ولكن المدهش سيبقى مجهولاً، أي ما تجهله أنت نفسك عن نفسك، هذا هو الإلهام، وليس الذي كتبته.. وإنما الذي يبهرك.

***

إن الكلمة الشعرية لا تُسمَع فحسب وإنما تُحَس بالكتابة، وذلك عندما تشعر بها تخترقك وتتغلغل فيك. إنها شيء مادي لأنها تشكل جسدا إذا ما تحسسته في دواخلك.. تشعر به في جوارحك ومع ذلك تجهله.. وهنا يكمن السر.

***

الصدفة هي خيط النسيج الذي يوحد الشعر ويمنحه لغزه، حيث تمضي الكلمات ناسجة ومنسوجة مع (ما يمكن أن يحدث). ولا علاقة للأمر بالمجانية. إن ما تحتاج إليه الصدفة من المعرفة، هو ذلك الخيط الذي يأخذ على عاتقه القصيدة.

***

إن ثقوب القصائد هي الكلمات الفخمة.. إنها فجوات بالنسبة للشِعر، لأن الكلمة هي شيء يَلتقط.. مثل الليل، مثل الرحم الأنثوي. ففي الشعر تكون قيمة الكلمة تماما كقيمة المكان الفارغ، لأن الشعر يلاحق تعبيراً بلا كلمات. يريد قول شيء أكثر مما تقوله الكلمات، ولهذا فهو يقول بالصمت أيضاً.

***

إن الشعر يدفعنا نحو حالة من الفرح، فكل شيء يحمل موسيقى سيمضي وازناً لها، قارضا الشعر، يهبط المساء بموسيقاه وينهض النهار بموسيقاه، ولو تأملت بحب، فسوف يتحرك العالم في رأسك وينيمك: ألوان الغروب الأرجوانية، الصفراء، الحمراء.. ففيها جميعاً ثمة وجود لوزن شعري.. وزمن.

***

يشعر الشاعر بأن عليه أن يمنح ثباتاً لما يحيط به. عندما كتبتُ ديواني (غصن غليظ) منحت ثباتي لحبي، فقد أصبح ثمة وجود لذلك الحب. الآن أسمع الإعلانات في التلفزيون وألتقطها أيضاً في عالمي الشعري، كما ألتقط الكلمات التي تظهر في الأحلام، الشعراء يلتقطون ما يُعطى لهم، تلك الإعلانات هي توافه، ولكن الذي تعرضه علينا هو شهادة على عالم يتفتت.

***

كل الشعراء يتطلعون نحو البساطة، يريدون أن يكونوا في توحد مع ما هو جوهري، ولكن الذي يحدث هو: أن ما هو أكثر جوهرية شيء لا يمكن تصوره، إن ما يرغب به الشاعر هو الوصول إلى خميرة ما هو مجهول، وقمة البساطة هي الذَرَّة.. ولكن من يفهم الذرة؟.. ومع ذلك فإن الشاعر يبحث عن الذرة.

***

إن الشاعر يعمل ضد نفسه، يعرض ما هو ضده، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا من خلال احتراقه، ولهذا فان الشاعر لا يُخبر بشيء، وإنما يحتج عبر نداءات.. إنه مُناد.

***

أين هو الشعر؟ إن الذي يسير باحثاً عنه سيفترض بأنه موجود في مكان ما، وأن ثمة أرض ما يحوم فيها هذا الطائر الغريب، يبني أعشاشه، يسكنها مع أحبته ويكشف حضوره لأولئك الذين يبحثون عنه.

***

الشعر هو التنفس عبر الآخر، إنه المكان نفسه الذي يوجد فيه الآخر دائماً، ال «أنت» التي نخلقها نحن، والتي لا وجود لها ولا تستطيع الوجود بذاتها من دوننا.

***

الشاعر كائن أليف، والشعر يولد بصوت امرأة، يعمل، ينسج ويخيط. الشعر هو ابن الحياكة أكثر من كونه ابن الكتابة. وفي شعر (الخرجات) الأندلسي يتم انتظار (الحبيب) في باب البيت، انتظار عودة الرجل على صهوة جواده.

***

إن الشعر هو التحمّس للحياة. انظر، كان أبي لا يطيق حتى رؤية الشِعر ولكن حماسته للتجارة التي هي عمل روتيني، كانت هي شِعره، لأنها حماسة لشيء ما، حماسته لشيء لا يحتمل أية حماسة.. مِثل الشِعر.

*إن تزييف الحياة من قبل الناس يحمل الشعراء نحو الشعر الذي هو في نهاية الأمر: الحقيقة الوحيدة.

***

أيها الأكاديميون الذين تعملون على تأطير الشعر، كلكم تعترفون بأن الشاعر هو الأكثر معارضة لأطر وقوانين وقواعد القول.

***

على الشاعر أن يعيش ببساطة وتواضع، أن ينسحب ويهرب مما هو اجتماعي كالشهرة والمكافأة، أن يكتفي بالخَلق والإبداع ويعيش في عزلة.

غزارة شعرية

ولد الشاعر فرانسيسكو بينو وسط عائلة برجوازية، من أب تاجر، وأم شغوفة بالقراءة. غزير الإنتاج والتجارب الحياتية، بدأ كتابة الشعر في سن الثانية عشرة من عمره. شارك في الحركة السريالية وسجنه رفاقه الجمهوريون أثناء الحرب الأهلية الإسبانية بين عامي 1936-1939، بعد أن اعترف بأنه مُتدين ملتزم. نال العديد من الجوائز الأدبية، وترك إرثاً يربو على الخمسين مجلداً شعرياً، وبعد رحيله أنشئت جائزة مرموقة للشعر تحمل اسمه.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا