• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

حروب على ثلاث جبهات وغياب للديمقراطية وحقوق الإنسان

بيْنَ أبنَاء السُّودان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 فبراير 2015

محمد بنيس

(1)

لم أكن أتخيل يوماً أن أزور السودان. بلد بعيد، كما لو كان في آخرة الدنيا. الحروب والصراعات السياسية العنيفة، منذ عقود، هي ما أكاد أظفر به من أخبار في وسائل الإعلام. كتابه وفنانوه، الذين سعدتُ بمعرفتهم، يقيمون في الغرب، بين فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة. ولا شيء يقع بين يديّ مما يكتب وينشر هناك. ثم إن آلة الدمار، التي تطحن العالم العربي، هي نفسها التي تتردد أصداء فواجعها، في دولة الشمال كما في دولة الجنوب. الدم والجوع والسلام المفقود. هذه هي السودان، التي لا سبيل إليها. تركتُ لسنوات ما كنت أحلم به من رغبة قديمة في مشاهدة النيل بلونيه الأزرق والأبيض، أو الوقوف على بقايا حضارة النوبة، أو اللقاء بأحفاد المتصوفة المغاربة ومريديهم. كان ذلك حلماً غامضاً، وشيئاً فشيئا عاينت أمّحَاء أثره.

لم أكن أتخيل. لكن الواقع أقوى أحياناً من الخيال. هكذا فوجئت، وأنا أرفع سماعة الهاتف، بصوت أعرفه. إنه صوت الصديق برينو أوبيـر، سفير فرنسا في الخرطوم. كلمات التحية التي تعودنا عليها. وبسرعة خبرٌ عن الدعوة التي يودّ المعهد الفرنسي أن يوجهها لي بقصد زيارة السودان وإحياء أنشطة شعرية وثقافية. عند الوهلة الأولى استولى عليّ الصمت. لم أصدق ما أسمع. وعندما نطق بعبارة «أتسمعني؟» أجبت «بلى، بلى، أسمعك، أسمعك جيداً.» وعلى إثر المكالمة توصلت بدعوة، تعبر فيها السيدة دلفين غيرار، مديرة المعهد، عن رغبتها في دعوتي. لم أكن أحتاج إلى تفكير. أنا هكذا عندما أجدني أمام إمكانية تحقق ما لم يكن من قبل ممكناً. أتنازل عن الشروط الأولية. أتخيّلني أغادر البيت متوجهاً إلى المطار. وفي ذهني صور مشتـتة، هي الأزمنة كلها. نشوتي تغمر الصدر والأنفاس. الأرض التي سأتوجه إليها ألوان وأصوات وروائح لم أسعد بها من قبل. وفي الطريق لا أنظر إلى الوراء.

(2)

دعوة المعهد الفرنسي تم التنسيق لها مع اتحاد الكتاب السودانيين، ومع مركز عبدالله الطيب، ومنتدى دال الثقافي، والمكتبة الوطنية السودانية. أنشطة متكاملة، يلتقي فيها الشعر مع الفنون، الثقافة مع الحوار، الإنصات مع حرية التعبير. وفي مقدمة الأنشطة لقاء مع شاعر السودان الكبير محمد المكي إبراهيم، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.

رحلة طويلة ومتعبة. نهار وليل، من الدار البيضاء إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى الخرطوم. وأنا غير عابئ بشيء من ذلك. أطمئن نفسي وأنا أناجيها. «الرحلة إلى السودان في زمننا أيسر مما تحمّله أجدادي المغاربة، الذين رحلوا، منذ القرن الخامس عشر، إلى هناك وأصبحوا من أهله، ينشرون بينهم الإسلام بكل تلقائية وعفوية.» آنذاك، كان كل متصوف يعرف بحدسه من هم محبّوه، وحين يعثر عليهم يعيش بينهم، ومعهم يبدأ حياة جديدة. لست متصوفاً، وزمني لم يعد زمن السفر عبر الصحراء. إلى هناك سأذهب لأيام، بدون عمامة ولا جلباب. في الذهن أفكار مشوشة عن الزمن الذي نعيش فيه، دون أن يكون لنا خيار. نحيا بجسد منهوك وأنفاس متوترة. وأنا أتوجه إلى الخرطوم، في رحلة كأنها تقود إلى آخرة الدنيا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف