• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

المثقفون والمقاهي.. علاقة تاريخية لحمتها الإلهام وسُداها الحرية

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 14 مايو 2016

محمد عريقات (عمّان)

لطالما كانت المقاهي من أبرز الأمكنة التي ارتبط بها المثقف والأديب العربي، وكانت مصدر إلهامه حيث الاحتكاك المباشر مع شريحة اجتماعية واسعة ومختلفة الثقافات، يقرأ الوجوه عن قرب، وينصت إلى صمت ملامحها المتلونة بمأساتها وملهاتها، إضافة إلى أنها كانت ولا تزال، فضاء لا منازع له يتحلق حول طاولاته الشعراء والنخب الأدبية والسياسية متجاورة مع الناشئة والمبتدئين لإثارة جدالات ونقاشات ثرية حول قضايا شعرية وثقافية. أتى ذلك من قصور المؤسسات الرسمية عن تقديم مساحة للقاء المثقفين والأدباء، فلجأوا إلى المقاهي عوضا عنها، لينشؤوا عالمهم وفضاءهم الخاص والحر.

في الأردن، كما هي الحال في بقية البلاد العربية، كان الأديب والمثقف هو من يعطي للمقهى بعده الثقافي بمجرد تواجده فيه، أي أن المقهى لم يكن مؤهلاً بنيّة مسبقة ليكون ثقافيا، فأغلبية المقاهي كانت أمكنة شعبية مفتوحة أمام مختلف فئات المجتمع، وهنا كان المثقفون يجدون فضاءهم الخصب للتواصل الشفاهي المباشر. ومع ابتعاد المؤسسة الرسمية، واحتكار مخصصاتها ومنحها لفئة دون الأخرى، وانسلاخها عن دورها في أن تكون حاضنة للمبدع كان المقهى هو الحل.

ولهذه الأسباب وتلك، التفتت منذ بداية هذا العقد مجموعة من المثقفين والأدباء الأردنيين إلى ضرورة تأسيس أماكن مؤهلة لاحتضان هذه النخبة أو الفئة من المجتمع، ولتكون فضاءات الأدباء والمبدعين في المدينة، والتي حققت بدائل كرّست الفعل الثقافي والإبداعي اجتماعيا بشتى فنونه كالشعر والفن ليصير ارتيادها أسلوب حياة يمارس كبقية الأشياء اليومية. ومن أبرز ما قدمته هذه المقاهي هو ربطها للأجيال الشعرية وإتاحة فرص تلاقيها واطلاع الأجيال السابقة على تجارب شعراء جدد، ولعل الجيل الشعري والأدبي الجديد، جيل الألفية الثالثة في الأردن، كان الأكثر انسجاماً مع هذه الأماكن، حيث لا تخلو ليلة من ليالي المقاهي من حلقاتهم ونقاشاتهم بما يشبه الندوة أو الأمسية المفتوحة..

وأهم ما يميز هذه المقاهي الثقافية هو التنوع المغني في المنتج الثقافي الذي يصدر عنها ما يبشر بنهوض نوعي للحراك الثقافي العام في المدينة، الذي سينعكس بالضرورة على الوعي العام للمجتمع المحلي، وطرائق تناوله المنتج الثقافي من حيث النوع، والكم في الوقت الذي تعاني المؤسسات الرسمية من واقع يحف بكثير من المعوقات يحول دون تقديم خدمة ثقافية متكاملة ومتطورة تسمح بترسيخ إنتاجها في الحراك الثقافي العام.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا