• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

اكتسب المتآمرون والجواسيس والخونة قوّة شعبية في دول «الربيع العربي» باعتبارهم معارضين وثواراً أو باعتبارهم مدافعين عن الدين الإسلامي ويرفعون شعار «الإسلام هو الحل»

السياسة والدين.. مظلّة المفسدين!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 07 يناير 2015

لا أحد يتآمر على العرب، ولكن العرب يتآمرون على أنفسهم، وما ظلمهم أحد ولكن أنفسهم يظلمون.

وقتلى وضحايا ومشردو ومعوقو العرب بأيديهم أضعاف أضعاف قتلاهم بأيدي ألد أعدائهم. وفي كل دولة من دول ما يسمى زيفاً «الربيع العربي» كل اللافتات والأجندات والرايات والخيام حاضرة إلا خيمة الوطن ورايته وأجندته ولافتته. الوطنية في هذه الدول ضمرت تماماً وتراجعت لصالح أجندات خارجية وتوجهات شخصية.

في الماضي كنّا ننزعج تماماً ونصاب بالذهول والصدمة عندما تلقي أجهزة الأمن القبض على جاسوس لحساب أي دولة، وكان هذا الجاسوس وأهله وذووه وأصدقاؤه والمقربون منه يعاملون من الناس العاديين على أنهم مصابون بالجرب أو أي مرض خطير معد. كان الجميع يفرون منهم فرار الصحيح والسليم من الأجرب والمجذوم. كانت المعاملة قاسية جداً وفيها فظاظة وغلظة، وربما يتعرض أهل الجاسوس وكل من يمت له بصلة للضرب أو القتل. الخريطة الآن تغيرت تماماً في دول ما سمي زوراً «الربيع العربي»، وحدث امتزاج تام بين العمل السياسي والعمل التآمري والتجسسي. وتغير اسم الجاسوس أو المتآمر إلى المعارض أو الناشط أو الحقوقي أو حتى المفكر والمحلل، وهناك عشرات المتهمين بالتجسس أو بالدعارة يظهرون على شاشات الفضائيات ليدافعوا أو يدافعن عن أنفسهم وأنفسهن، ويكتسبون تعاطف الناس وربما تأييدهم. لم يعد أحد يجفل من الجواسيس والداعرات والداعرين. لم يعد أحد حتى يندهش أو يستنكر أو يمتعض، والأدهى أن الطاولة دائماً تنقلب ضد الحكومات والدول ليصبح المتآمر بريئاً والحكومة متهمة. نعم إذا وقعت المواجهة بين الحكومات والمتآمرين الذين تغيرت أسماؤهم إلى ثوار ومعارضين وناشطين سياسيين وحقوقيين، فإن الفوز لهؤلاء والخسارة للحكومات، حيث يجد المتآمرون تعاطفاً وتشجيعاً وإعجاباً باعتبارهم معارضين وثواراً وشجعاناً، بينما يصب الناس جام غضبهم على الدول والحكومات ويتهمونها بقمع الحريات وانتهاك حقوق الإنسان، ذلك الاسم البغيض الذي صار ستاراً للتجسس والتآمر وخيانة الأوطان. وعندما يسقط أحد المتآمرين والخونة وأصحاب الأجندات المشبوهة في قبضة الأمن للتحقيق معه مجرد التحقيق، تقوم قيامة ما يسمى المجتمع الدولي الذي هو الاسم المهذب للغرب، فلا يوجد مجتمع دولي أو رأي عام عالمي خارج الغرب وخارج الأمم المتحدة التي يسيطر عليها الغرب ويتخذها أداة ضغط على الحكومات والدول التي لا تروق له سياساتها - كما يتخذ نفس أدوات الضغط ممثلة في تلك الكيانات المشبوهة المسماة منظمات وجمعيات حقوق الإنسان كمنظمة العفو الدولية و«هيومان رايتس» وغيرهما، وهذه المنظمات لا تخطئ العين أو العقل أبداً أنها ظهير لأجهزة استخبارات دولية أو غربية على وجه الخصوص. وعندما اختلط أو امتزج العمل السياسي بالعمل التآمري والتجسسي اتسعت مساحة الحرية للجواسيس والمتآمرين ليعملوا بلا ملاحقة وفي العلن تحت رايات المعارضة أو الثورة أو الدفاع عن حقوق الإنسان. وأتاح امتزاج العمل السياسي بالعمل التآمري والتخريبي مظلة حماية قوية للخونة والمتآمرين من جانب ما يسمى المجتمع الدولي. واتسعت رقعة التدخل السافر في الشؤون الداخلية للدول والشعوب حتى لم تعد هناك شؤون داخلية لأي دولة.

واكتسب المتآمرون والجواسيس والخونة قوّة شعبية هائلة في دول ما سمي «الربيع العربي» باعتبارهم معارضين وثواراً أو باعتبارهم مدافعين عن الدين الإسلامي ويرفعون شعار «الإسلام هو الحل». وبالتالي، فإن المشكلة الأخطر والأكثر تعقيداً ليست فقط امتزاج التآمر والتجسس والتخابر بالسياسة، بل أيضاً امتزاج العمل التآمري والتجسسي والخياني بالدين الإسلامي، حتى صار الإسلام على أيدي هؤلاء هو المشكلة وليس الحل. فلم يكن الإسلام على أيديهم، أو لم يكن إسلامهم المختلط بالتآمر والممتزج بالتجسس والتخابر حلاً، بل صار مشكلة إنْ لم يكن هو الآن أم المشاكل. التآمر والتجسس والخيانة أمور أصبح لها مظلتان.. المظلة السياسية توفر للخونة والمتآمرين والجواسيس الحماية الدولية بوصفهم معارضين وثواراً وحقوقيين ونشطاء.. أما المظلة الدينية وبالتحديد الإسلامية فهي الأخطر لأنها توفر للمتآمرين والخونة الحماية الشعبية.. فهؤلاء الجواسيس يعملون تحت حماية الشعب لأنهم في رأي البسطاء والسوقة والدهماء -وهم جل الشعوب العربية- إسلاميون يتحركون باسم الله وباسم الإسلام ومن يتعرض لهم أو يتصدى لمؤامراتهم وتحريضهم على الفتنة التي يسمونها ثورة فهو آثم وربما كافر أيضاً. هؤلاء المتآمرون لهم ظهيران. أحدهما دولي نتيجة الخلط بين السياسة والتجسس والآخر شعبي نتيجة المزج بين التآمر والخيانة والإسلام. والظهير الشعبي هو المشكلة الأكبر. وهو المسؤول عن تحويل قسم كبير من الشعوب إلى جواسيس ومتآمرين وهم لا يشعرون كما أن ضمور الشعور الوطني بشكل عام في الأمة العربية أفقد الناس القدرة على التمييز بين العمل السياسي والعمل التآمري، وبين العمل الديني والفعل التجسسي. فأنت هنا بين فريقين من المفسدين في الأرض، أحدهما فريق المفسدين وهم يشعرون والآخر فريق المفسدين وهم لا يشعرون وهذا الفريق الأخير هو الأخطر لأنه فريق البسطاء والعامة والدهماء الذين يساقون كالقطعان خلف المتآمرين والجواسيس والمفسدين الذين يحتمون تحت مظلة السياسة والدين.

محمد أبو كريشة *

* كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا