• السبت 27 ربيع الأول 1439هـ - 16 ديسمبر 2017م

البيوت أسرار

المال يطرد الحب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 24 فبراير 2012

نورا محمد (القاهرة) - لا نخجل من عمل أبي فهو ماسح أحذية يحب الشتاء لأن الرزق يكون فيه كبيراً بسبب الأمطار والأوحال، وفي الصيف لا بأس بالأحوال، لكن المهم أنه يفيض بالحب والحنان ويشعرنا دائماً بأننا في غاية الغنى والثراء ولا ينقصنا أي شيء وان كنا لا نجد شيئاً ولا نحصل إلا على الضروريات وأمي خبيرة بتدبير شؤون البيت وحرت كثيراً في كيفية تصرفها وهي توفر لنا الطعام وتخترع لنا ما يشبع بطوننا بأقل القليل الذي بين يديها ومن دون أن تكون من هؤلاء النسوة اللاتي لا تتوقف مطالبهن من أزواجهن إنما كانت على العكس من ذلك لا يخيل إلينا أننا نملك الدنيا كلها ولا ينقصنا أي شيء وإذا حاول أبي أن يعبر عن عجزه وقلة حيلته راحت ترده عن ذلك بأننا بحمد الله أفضل من غيرنا والأمور تسير.

بيتنا إن جاز التعبير أن نطلق عليه اسم البيت هو عبارة عن غرفة من الصاج والخشب القديم فوق سطح بناية يملكها أحد أقاربنا من بعيد وسمح لنا بهذا «البناء» الذي كان يأوينا وإن لم يكن يمنع الأمطار التي تنهمر علينا خلال أشهر الشتاء أما في الصيف فهو قطعة من جهنم والحر لا يطاق والرطوبة تخنقنا سبعة أفراد ننام متلاصقين بجانب الأثاث الذي لا يزيد على خزانة للملابس تعود إلى العصر الحجري القديم وموقد بدائي تخنقنا أدخنته وبعض الأواني التي أكلها الصدأ.

كنت الوسطى بين إخوتي الخمسة يكبرني ولدان وتصغرني بنتان أخي الأكبر لم يعرف طريق المدرسة ومنذ طفولته وهو يصحب أباه في عمله يجلس بجواره يناوله بعض أدواته وعندما أصبح صبياً يمكن أن يعتمد عليه مارس نفس مهنة أبيه على مضض إلا أنه لا يعرف غيرها فاحترفها مضطراً وأصبح يأتي بالقليل مما يتكسبه ويحاول أن يحتفظ به لنفسه إلا أن أمي تمارس ضغوطها عليه وفي النهاية لا تحصل منه إلا على أقل القليل وبشق الأنفس وأبي يحاول أن يدافع عنه بأن تتركه يتصرف فيما اكتسب كما يريد.

أما أنا وبقية إخوتي فقد التحقنا بالمدرسة المجانية وكثيرون حولنا في مثل ظروفنا أو معظمهم ليسوا أحسن حالاً منا، لذلك لم نشعر يوماً بالنقص أو الفوارق الاجتماعية خاصة في الملبس أو المصروف وان كان هناك بيننا من هم في مستوى أفضل إلا أننا لا ننظر اليهم ولا نبالي بذلك فقد اعتدنا كما تربينا ألا ننظر إلى ما في أيدي غيرنا كان للحب الذي يرفرف فوق أسرتنا أثره البالغ في هذه المشاعر فأمي مثل الدجاجة التي تضم أفراخها تحت جناحيها وتواجه كل الأخطار والصعاب من أجلهم وأبي هذا الرجل الحالم لا يفقد الأمل لحظة في أننا سنكون في أحوال أفضل وهو يلقي بالأمنيات تحت أرجلنا ويفتح أمامنا أبواب الأمل في غد أفضل فنتعلق به خاصة وهو يقص على مسامعنا حكايات ومواقف صعبة كثيرة واجهته في حياته وأصبح بعدها في وضع أفضل من السابق فيدفعنا دفعا إلى حب الحياة فلم نعرف اليأس ولا نخاف من المستقبل.

لا أنسى هذا اليوم الذي جاء فيه أبي فرحاً متهللاً يزف البشرى لأمي ولنا بأنه حصل على فرصة عمل في الخارج وإن كان سيعمل في غسل الأطباق والأواني في فندق كبير لكنها أحسن من حرفته الحالية في مسح الأحذية وكل ما يحزنه انه سيكون بعيداً عنا فقد يقضي أكثر من عام ليحصل على إجازة إلا أننا جميعا كدنا نطير فرحاً بتلك الخطوة التي لم تكن في الحسبان وهذا الفرج الذي جاء من السماء بلا تدبير منا وجعلنا نثق بما يقوله أبي بأن الغد سيكون أفضل ولم يمض على هذا اليوم أكثر من شهر حتى كان أبي يحزم ملابسه القليلة في «كيس» من البلاستيك ويغادرنا ونحن نودعه بالدموع والبكاء الحار كان أكثر الأيام حزنا في حياتي ظللت بعده لعدة أسابيع لا أهنأ بطعام ولا شراب إلى أن جاءت منه أول رسالة يحملها ساعي البريد بعد أكثر من ستة أسابيع فلم يكن لدينا هاتف من أي نوع حينها ووسائل الاتصالات لم تكن قد انتشرت وتقدمت بهذه الصورة أتذكر أمي وهي تمسك بورقة الرسالة وتقبلها وتبكي حتى بللتها بدموعها واختلطت حروفها وهكذا كانت حالها وحالنا مع كل رسالة تصل منه.

أما عندما يأتي في إجازته السنوية فإنه يحمل إلينا الهدايا والملابس الفاخرة والأدوات والحقائب المدرسية التي جعلتنا ننتقل إلى مستوى أعلى وهكذا في كل عام ظهرت علينا آثار النعمة، لكن الأهم من هذا كله أننا خلال خمس سنوات انتقلنا إلى المسكن الجديد شقة بسقف وجدران وغرف مثل كل الناس إلا أن هذا التحسن لم يعجب من حولنا ومن يعرفوننا وكانوا دائماً يعيروننا بفقرنا وبأننا محدثو نعمة ولم يكن ذلك لخلاف بيننا، ولكن لمجرد أنهم يحقدون علينا ويستكثرون أن نعيش مثلهم وعبثا حاولنا أن نتجنبهم وهم يتفننون في اختلاق المشاكل والخلافات معنا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا