• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

حينما يعزف «محمد هادي»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مايو 2016

لن أنكر حالة أوراقي بتشققاتها وجفافها في فترةٍ ما، ونكران يدي المستمر لجميلِ القلم، هي حالةٌ قد يمرّ بها أيّ كاتب، حالة من الرّكود والخمول، فقدتُ الأمل بها على أن يعود إلهامي لعزّ شبابه، بحُمرة خدوده وبرائحتهِ التي تقول لي دائماً إنني حينَ أكتب أكون هُنا، على قيد الحياة . وكان طوقُ النجاة من هذا الوحلِ بين يديه، حينما سمعتهُ يعزف لأولِ مرة، وكأنما كانت هناك أمة نائمة وسط صدري، وكان هُو المنبّه اللطيف الذي أحيا كلّ شبرٍ اقترب من الموت بي، كان هو قيد الحياة، حينما جبرتني بساطتهُ على التّوغّل في معزوفاته أكثر فأكثر، فتيقّنت أن هذه الألحان هي نقطة البدء لعودتي، وعودة الحياة للحياة.

إنني الآن أقدم فنجان قهوةٍ ملحّناً، نرتشفهُ لعلّ صوتنا الجامد يحنّ على ما تبقى في هذه الحياة من جماليّات قد لا نلتفتُ لها، ولكنها هنا تنتظر التفاتة صغيرة منا. هذا الأمل وهذه المشاعر التي أفصح عنها، ما كنتُ سأشعر بها لولا نصيحة رجل شقيقتنا الكُويت ومن هو في عيني «الموسيقار العظيم» حينما قال لي يوماً أن الموسيقى هي الإنسانية، وكيف للمرء أن يكون إنساناً إن لم يتذوّق الموسيقى؟

وحقاً ما قال، فنحنُ في ربيعٍ عربي، قلّما نجدُ من يحنّ على الإنسانية بهذا الأسلوب أو بهذا المنطق، فما كان «محمد هادي» إلا رجلاً انحاز لأصابع يده، ولقدراتهِ التي أراها قد قلبت مغزى ومعنى الربيع العربي الذي عرفناهُ، لربيعٍ ورديّ مُخضَر وملحّن، فأنا كمسلمة من أمة عربية، كنت قد تمنّيت دائماً أن يكون هذا المعنى الحقيقي لرّبيع العربي، معنى جوهري وخالص، يبيّن أمام العالم من نحن، وماذا نريد، وما هو سبيلنا للاستمرار على وجه هذه الأرض، وإنني كنت قد علمتُ متأخراً سبب ذبولي في فترةٍ ما، وما كان السبب إلا تحيّز قلمي للكتابة السياسية، مُبتعدة مُتجاهلة للمشاعر التي نكون بها أجمل، نكون بها على قيد الحياة، لستُ ضدّ الدخول في النقاشات السياسية وغيرها من المواضيع المشابهة، ولكن بشرط أن لا نُهمّش مشاعرنا وأحاسيسنا، فنحنُ نحتاج إلى الموسيقى لكي نستمر، بل لنبقى على وجه الإنسانية أحياء، نحتاج إليها أكسجيناً لا يُفقدنا لذّة العيش، وقِبلةً لرّوح حينما ننسى لماذا نحنُ هنا، وحينما نضلّ الطريق ونميل لطرق تُلبسنا الأقنعة بدلاً من أن نكون بوجهنا الإنساني الحقيقي.

أعلم، أن من أمثالي كُثر، ينتظرون إشارة، أو من يدفعهم لإمساك أول الخيط، للعودة، للنّهوض مرةً أخرى، ولا يسعني إلا أن أقول، أن هناك ألف إشارة للعودة، ولكن تتطلب وعياً روحياً نستطيع التشبّث بها.

وكانت الإشارة الأولى حينما عزف الموسيقار، وبذلك ليس هذا المقال مقال رأي، بل مقال شُكر على حسٍ ومشاعر فقدتها ووجدتها بتراقص أصابعك وبساطتك، شكراً على الإنسانية التي تُهديها لنا مندون تكلّف أو جهد، شكراً لأنك رجل داوى أراضينا المُلغّمة بالموسيقى، وللموسيقى ولك شكراً «محمد هادي أبل».

عهود النقبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا