• الخميس 08 رمضان 1439هـ - 24 مايو 2018م

صدرت في ترجمة إنجليزية جديدة

«الإنسان الصرصار» لدوستويفسكي مازالت إعلاناً صريحاً لحالة الاغتراب والتناقض

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 فبراير 2013

مريم جمعة فرج (دبي) - ربما تذكر الكثيرون منا رواية “فيودور دوستويفسكي” (1821 - 1881) الشهيرة “الإنسان الصرصار.. رسائل من أعماق الأرض” (1864)، باعتبارها أكثر أعماله قتامة، إلا أن الكثير من ذلك يبدو مجانباً للدقة، حسب كتاب ونقاد معاصرون، منهم الكاتب والروائي الأسترالي الحائز جائزتي “بوكر” و”وايتبرد” د. ب. س. بيير الذي يشير في مقدمته لترجمة جديدة للرواية إلى حجم الالتباس الذي قد نقع فيه، لو تجاهلنا عبقرية هذا الكاتب التي تتجاوز حدود الزمان، ليصبح بطله تجسيداً حقيقياً، لا لحياة الإنسان في المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر، بل لحياته في المجتمعات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. اليوم، وبعد مرور حوالي 148 سنة على نشر هذه الرواية، تعاد قراءتها وترجمتها وفق سياق أكثر إنصافاً لعبقرية هذا الكاتب.

والحقيقة أن الترجمة الإنجليزية الجديدة للرواية، وهي من منشورات دار” كانون غيت، البريطانية” تأتي كجهد مشترك بين بيير والناقدة والمترجمة “ناتاشا راندال” التي سبق لها ترجمة أعمال كلاسيكية لعدد من الروائيين الروس. وعلى الرغم من الحفاوة التي استقبل بها العمل، بالنظر إلى ما تميز به من جمالية الإمساك بروح النص الأصلية، إلا أن المقدمة التي وضعها بيير تسهم في إضاءة الجانب الأكثر سوداوية في الرواية بوضعها في المسار النقدي الأكثر ملاءمة. أما ما يراه فهو أن رواية الإنسان الصرصار تمثل إعلاناً صريحاً لحالة الاغتراب والتناقض، التي يعيشها الإنسان على مدى بعيد يصل إلى حدود حياتنا الراهنة. في حين أن إعادة تشريحها هي كل ما ينبغي أن يتخذ، وفق معايير تضاهي موهبة مؤلفها. وعليه، فإن ما يستلزم من إجراء هو الكشف، عن الكيفية التي كان يعمل بها عقله على تدبير لعبته القصصية.

ولعل الأهم هو أن دوستويفسكي، على النقيض من غيره من الكتاب الروس وبالتشابه مع عدد قليل منهم، لم يكن معنيا بأفعال شخوصه، بقدر ما كان يبدو منجذبا إلى العوامل الكامنة وراء سلوكها، وذلك في فترة زمنية لم يكن مبدأ التحليل النفسي خلالها قد ترسخ، على نحو ما نراه اليوم. إن موضوع رواية الإنسان الصرصار، يبدو كما لو أنه نفسه الذي يتردد في زمن موضوعه الرئيسي هو هيمنة الأنانية القائمة على المنفعة الذاتية، والمثالية المفرطة غير العملية للإصلاح السياسي والاجتماعي، وسيطرة أسواق المال الغربية، واستحواذ التكنولوجيا على الحقيقة. وهو ما يحمل الرواية بعداً كونياً أوسع، يتخطى حدود القرن الذي ولدت فيه. في تفاصيله، يتناول موضوع الرواية قصة رجل أربعيني بائس مكروه، لا يعطيه دوستويفسكس اسماً. هذا الرجل المتقاعد من وظيفة مدنية بسيطة يسرد مذكراته الشخصية لقراء وهميين، من ملاذ يحميه من ردود أفعال الآخرين، وهو سرداب تحت الأرض، حيث يعيش في مدينة سانت بطرس بيرغ الروسية. يكتب الرجل بحنق شديد “أنا إنسان مريض، إنسان حقود، إنسان ممقوت. وأظن أن كبدي مريضة، إلا أنني، على أي حال، لا أعرف شيئا عن مرضي.. ولست أستشير طبيباً.. رغم أنني أحترم العقاقير والأطباء، إضافة إلى أنني متعلق بالخرافات إلى حد يجعلني أحترم العقاقير، ومهما يكن فإنني مثقف إلى حد يكفي لجعلي لا أصدق الخرافات، إلا أنني أؤمن بها على الرغم من ذلك”.

والرواية حسب تقنيتها تنقسم إلى جزءين، يحمل الجزء الأول عنوان “تحت الأرض”، وهو عبارة عن مونولوج. وحسب وظيفته، فإن هذا المونولوج يخصص لتقديم بطل الرواية لنفسه، والتعريف بأفكاره ومعتقداته، وما يحمله على أن يكون في وضع نفسي معين. هذا الجزء يتألف أيضا من أحد عشر فصلا كلها تلقي الضوء على تشوشه النفسي، ومعاناته التي يستفيد من بعض عناصرها في الانتقام لنفسه، ووجهة نظره وتعليقه على التردي الأخلاقي، كما يلمسه في حياته وحياة الآخرين. ويتميز هذا الجزء بقدرة فائقة على إرهاق القارئ الذي لابد له من اليقظة، والصبر على أسلوبها الغريب، وهو بالطبع ما يبعث على الشعور بالارتياح لدى هذا الرجل المريض، فيما يكشف عن موهبة إبداعية لغوية غير عادية لدى دوستويفسكي.

أما الجزء الثاني من الرواية، فيحمل عنوان “مهداة إلى الثلج الندي”. وهو يتضمن رواية وقائع فعلية تبدو في مجملها أحداث مهمة، تسهم في توجيه الرجل نحو الاغتراب والتهميش والضمور، لكي يعيش، كما يرغب الآخرين، فلا يجد بدا من الانسحاب والبحث عن وسيلة للتعبير عن نفسه وهي سرد خواطره من مكان مجهول كالسرداب يضمن له هذا النوع من التواصل الاجتماعي الغريب. والواقع أن ما يفعله بطل دوستويفسكي، ما هو إلا جزء من تجربة مؤلفه الشخصية، وتأثرها بالواقع الذي انعدمت فيه العدالة الاجتماعية. وكأحد أهم رواد الواقعية في الرواية الحديثة التي يمثلها في روسيا مواطنه “نيكولاي غوغول” وفي بريطانيا “تشارلز دكنز” و”بلزاك” في فرنسا، فقد كانت تركيزه الأساسي على الإنسان، في ظروف حياته في المدن الكبرى التي تعج بالمشكلات. في حين كان أبطاله من الفقراء وطلاب المدارس، وصغار الحرفيين، والساقطات، و كل النماذج الإنسانية التي استخدمت كمصادر للسخرية والاستهزاء في مرحلة سابقة على نشأة الواقعية. كما أن اختياره لتلك النماذج كان يأتي متوازيا مع ممارساتها الحياتية اليومية وتعقيداتها. وهو ما لعب دورا مهما في تطور الواقعية. إلا أن الأكثر أهمية هو تكسيرها الحاجز الزمني، وقدرتها على التواصل مع ما يدور من صراع داخلي في ذهن إنسان القرن الحادي والعشرين، على هامش حياته في مجتمعات الحداثة، وتداعياتها المختلفة على تشكيله النفسي.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا