• الاثنين 03 صفر 1439هـ - 23 أكتوبر 2017م

ظاهرة تتجاوز مجرد التهرب من الضرائب

سويسرا: «العمل الأسود» وسيلة للحفاظ على الكرامة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 22 فبراير 2012

برن (وكالات) - العمل غير القانوني الذي يُعرف في سويسرا وعدد من البلدان الأوروبية بـ “العمل الأسود”، ليس فقط مجرد وسيلة للتهرب من دفع الضرائب أو استغلال صناديق التأمينات الاجتماعية، بل هو يسمح للعمال الفقراء بالحفاظ على قدرتهم على العمل وعلى كرامتهم، هذا ما استنتجته مؤخرا دراسة استقصائية واسعة أجراها معهد علوم الاجتماع في جامعة نوشاتيل.

“إن هشاشة الوضع المالي تشجعك على العمل بشكل غير قانوني. فعندما تعيش تحت ضغط مستمر ولا تدري كيف يمكنك تلبية احتياجاتك إلى آخر الشهر، أعتقد أنه من المبرر تماما اللجوء إلى مزاولة نشاط غير معلن عنه”. هذا الرأي لفابيو (30 عاماً)، الذي يعمل لحسابه الخاص في القطاع الثقافي، والذي كان ضمن مجموعة من حوالي ستين شخصا أجابوا على أسئلة ثلاثة من علماء الاجتماع في جامعة نوشاتيل السويسرية، في إطار دراسة أنجزت بدعم من الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي.

وصدور كتاب “العمل الأسود – لماذا يتورط فيه المرء، وكيف يخرج منه”، يأتي بعد أربعة أعوام من اعتماد القانون حول العمل غير القانوني الذي تلته حملة إعلام واسعة قامت بها سلطات الاتحادية السويسرية بهدف وقف انتشار الاقتصاد السري. ولئن كانت سويسرا لا تزال تُفلت نسبياً من هذه الظاهرة، مُقارنة مع بلدان جنوب وشرق أوروبا، فإن ما يُعرف بـ “العمل الأسود” يثير القلق في صفوف السياسيين منذ عقدين من الزمن.

فرونسوا إينار، مدير معهد علوم الاجتماع بجامعة نوشاتيل والمؤلف المشارك للدراسة، أشار إلى أن “العمل الأسود كان دائماً موجوداً، ولكن انشغال الدولة بتحصيل عائداتها الضريبية زاد منذ عقد التسعينات. الشيء نفسه حصل بالنسبة للتأمينات الاجتماعية التي بدأت تعاني من مشاكل التمويل وسعت بالتالي إلى استعادة المساهمات المالية التي يمكن أن تقدّم لها (من كل من يمارس عملاً في سويسراً)”. يعتقد عالم الاجتماع فرونسوا إينار أن “المداخيل غير الكافية تشجع اللجوء إلى العمل غير القانوني”.

وموازاة مع المطاردة المتزايدة للمحتالين، استمر ضعف وتراجع دولة الرفاه، مما أدى على سبيل المثال إلى تقليص خدمات التأمين على البطالة، بينما تتسع أكثر فأكثر فئة السكان التي تجد صعوبة في دخول عالم الشغل. وهو بمثابة “كوكتيل” (مجموعة من العوامل المتزامنة) يفسر إلى حد كبير، حسب واضعي الدراسة، لجوء أشخاص إلى مزاولة عمل غير مُعلن عنه رغم توفرهم على كافة التراخيص القانونية في سويسرا.

ولا تمس هذه الظاهرة فقط القطاعات التقليدية التي غالبا ما يشار إليها لدى تناول موضوع “العمل الأسود”، أي الفندقة، والمطاعم، والبناء، بحيث تتحدث الدراسة أيضاً عن المجالات الفنية والثقافية، والحرف، وإصلاح الأعطال المعلوماتية، وحتى عن المهن الفكرية (بما في ذلك الترجمة)، إذ تضم مجموعة المُستجوبين العديد من الجامعيين. ويشدد إينار على أن “تزايد هشاشة (الوضع المالي) ومرونـة تنظيم العمل عاملان أساسيان للجوء إلى العمل غير المعلن عنه”.

ويؤكد فرونسوا إينار أن “أشخاصا كثيرين يتجهون إلى “العمل الأسود” الذي يُعتبر مخالفة بسيطة وحتى ذي قيمة لأن (الشخص يثبت قدرته على) “إعالة نفسه”، بهدف الإفلات من وصمة العار القوية التي تحيط بوضع من يتلقى المساعدات (الاجتماعية). من جهة أخرى، يشير الباحث إلى أن العمل، ولو كان بشكل غير قانوني، يسمح للشخص بالمحافظة على مهاراته وخبراته وشبكة (اتصالاته) في سوق العمل الذي يتطلب القدرة على التوظيف الفوري.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا