• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

معالجـات إسلامية

سعد بن الربيع .. نصح لله ولرسوله حياً وميتاً

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 20 فبراير 2015

تربى حول الرسول – صلى الله عليه وسلم - وفي مدرسته رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، نفَّذوا أوامره، وامتثلوا لتعاليمه، والتزموا بتوجيهاته، هؤلاء هم الصحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين – الذين أنجزوا في بضع سنين ما يعجز عن تحقيقه أفذاذ الرجال في مئات السنين، وللصحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين – منزلتهم الكريمة، فقد زكاهم الله في كتابه الكريم، كما زكاهم رسولنا – صلى الله عليه وسلم – في سنته المطهرة، كما زكتهم أعمالهم الجليلة في حملهم للكتاب والسنة، حيث حملوا لنا هذا الدين، كي تسير الأمة على هدى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وللصحابة الكرام فضل علينا وعلى الإنسانية جمعاء، فقد قدَّموا إيمانهم وولاءهم لله -عزَّ وجلَّ- ولرسوله – صلى الله عليه وسلم – على ما سواه، وباعوا أنفسهم لله، فاحتملوا الإيذاء والاضطهاد وصبروا صبراً جميلاً. لقد جاءت عشرات الآيات القرآنية بذكر فضائل الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين – والثناء عليهم والإشادة بأعمالهم والشهادة لهم بالإيمان والإخلاص، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (سورة التوبة: الآية 100). وذكر القرطبي أن الصحابي الجليل عَبدالله بن مَسْعُودٍ - رَضِيَ ‬اللَّهُ ‬عَنْهُ- ‬ قَالَ: ‭»‬مَنْ ‬كَانَ ‬مِنْكُمْ ‬مُتَأَسِّيًا ‬فَلْيَتَأَسَّ ‬بِأَصْحَابِ ‬رسول ‬الله ‬- ‬صَلَّى ‬اللَّهُ ‬عَلَيْهِ ‬وَسَلَّمَ-، ‬فَإِنَّهُمْ ‬كَانُوا ‬أَبَرَّ ‬هَذِهِ ‬الأُمَّةِ ‬قُلُوباً، ‬وَأَعْمَقَهَا ‬عِلْما‬ً..»‬

نشأ سعد بن الربيع- رضي الله عنه- في بيت كريم من بيوت المدينة، وكان أبوه من أشراف الخزرج وسادتها، وقد عَهِدَ إلى المعلمين ليعلموا سعداً الكتابة والقراءة وهو صغير، وعندما اشتدَّ وصلب عوده عَهِدَ به إلى من يُعلّمه ركوب الخيل والمبارزة بالسيف، والطعن بالرمح، والرمي بالقوس، ومصارعة الرجال، حتى صار سعدٌ فارساً مقداماً وبطلاً مغواراً تفخر به المدينة كلها، ولما تُوفي أبوه خلفه على زعامة قومه.

شَهِدَ العقبة الأولى والثانية، وكان أحد نقباء الأنصار، وشَهِدَ بدراً، وقُتل يوم أُحد شهيداً.

في المدينة المنورة آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار وقد آخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع الأنصاري – رضي الله عنهما- هذا نموذج للعطاء، وذاك نموذج للعفة والإباء.

ولما كان يوم أُحد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: «من يأتيني بخبر سعد بن الربيع؟» وهذا ما ذكره ابن القيم في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد: (قال زيد بن ثابت: «بَعَثَنِي رسولُ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ أُحُدٍ أَطْلُبُ سَعْدَ ‬بْنَ ‬الرَّبِيعِ، ‬فَقَالَ ‬لِي‬: ‬إِنْ ‬رَأَيْتَهُ‬، ‬فَاقْرِهِ ‬مِنِّي ‬السَّلامَ‬، ‬وَقُلْ ‬لَهُ‬: ‬يَقُولُ ‬لَكَ ‬رَسُولُ ‬اللَّهِ: ‬كَيْفَ ‬تَجِدُكَ؟ ‬قَالَ‬: ‬فَجَعَلْتُ ‬أَطُوفُ ‬بينَ ‬القَتْلى، ‬فأتيتُهُ، ‬وَهُوَ ‬بآخِرِ ‬رَمَقٍ، ‬وفيه ‬سَبْعُونَ ‬ضَرْبَةً: ‬ما ‬بين ‬طَعْنَةٍ ‬بُرمْحٍ‬، ‬وَضْرَبةٍ ‬بَسْيفٍ، ‬وَرَمْيَةٍ ‬بَسهْمٍ، ‬فقلتُ: ‬يا ‬سعدُ، ‬إنَّ ‬رسولُ ‬اللهِ – ‬صَلَّى ‬اللَّهُ ‬عَلَيْهِ ‬وَسَلَّمَ – ‬يَقْرَأُ ‬عليكَ ‬السلامَ، ‬ويقولُ ‬لكَ‬: ‬أخْبرني‬، ‬كيفَ ‬تَجِدُكَ؟ ‬فقال: ‬وَعَلَى ‬رسولُ ‬اللهِ ‬الصلاةُ ‬والسلامُ ‬، ‬قُلْ ‬لَهُ: ‬يَا ‬رَسُولَ ‬اللَّهِ: ‬أَجِدُ ‬رِيحَ ‬الْجَنَّةِ، ‬وَقُلْ ‬لِقَوْمِي الأَنْصَارِ: ‬لا ‬عُذْرَ ‬لَكُمْ ‬عِنْدَ ‬اللَّهِ ‬إِنْ ‬خُلِصَ ‬إِلَى ‬رَسُولِ ‬اللَّهِ ‬- ‬صَلَّى ‬اللَّهُ ‬عَلَيْهِ ‬وَسَلَّمَ ‬- ‬وَفِيكُمْ ‬عَيْنٌ ‬تَطْرِف، ‬وَفَاضَتْ ‬نَفْسُهُ ‬من ‬وقته»)

و قيل إن الرجل الذي ذهب إليه أُبَيّ بن كعب، قاله أبو سعيد الخدري، وقال له: قُلْ لقومك: يقول لكم سعد بن الربيع: اللّهَ اللّهَ وما عاهدتم عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة، فوالله مالكم عند الله عُذْر إن خُلص إلى نبيكم وفيكم عين تَطْرِف؛ قال أُبَيّ: فلم أبرح حتى مات، فرجعتُ إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وأخبرته، فقال: «رحمه الله، نصَح لله ولرسوله حياً وميتاً» (أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير 2/402). وقد كان سعد بن الربيع نموذجاً رائعاً لصحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم – الذين تخرجوا في مدرسة النبوة، وكان لهم قَصَبُ السَّبْقِ في اتباع النبي – صلى الله عليه وسلم- ومؤازرته ونصرته، فاستحقوا الفضل والشرف، وأضحت محبتهم واجبةً على كل مسلم، والانتقاص منهم وسبّهم من كبائر الذنوب.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا