• الجمعة 09 رمضان 1439هـ - 25 مايو 2018م

أحمد.. قلب الشعر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 فبراير 2013

علي العامري

كثيرة هي التفاصيل التي يمكن أن أتذكرها مع الصديق الشاعر أحمد راشد ثاني، على صعيد الشعر والليل والإنسان، وأخيراً المرض. لكنني لا أستطيع أن أشاركه الرحيل، إذ لم يختبرني الموت بعد.

أعرف أحمد منذ أيام الدراسة في جامعة الإمارات في مدينة العين، درسنا معاً وعشنا معاً وكتبنا معاً وحلمنا معاً. وفي الجامعة كان مجموعة من المبدعين يولدون وهم لا يزالون على مقاعد الدراسة، وكان أحمد أحدهم. إذ أنه كان متحمساً لأي فكرة «مجنونة» ابداعياً، يضج بطاقة غير محدودة، وهناك في الجامعة مع مجموعة من الأصدقاء تشكل المسرح الحر، والمرسم الحر، وأشرف على إصدار مجموعة شعرية لطلاب من الجامعة وكذلك مجموعة قصصية، بمشاركة طلاب وطالبات. ولا يتوقف أحمد عن خوض تجارب عدة، ومن فضاء شعري إلى مسرحي، إلى تراثي، ليختم حياته برواية «عوشانة» التي تعيش بعد رحيله المبكر والمفجع.

وأذكر أن مسرحيته «الأرض بتتكلم أوردو» كانت أولى نصوصه المسرحية التي كتبها أثناء الدراسة، وشاركت هذه المسرحية في المهرجان الثقافي والفني الأول للجامعات الخليجية في الكويت في الثمانينيات من القرن الماضي. كان عاشقاً وناقداً في الوقت ذاته، لم يتوقف عن الاشتعال في مختبر الكتابة طوال حياته، كما لو أنه يرى الحياة ورشة إبداع.

واللافت أنه مثل عدد من الكتاب في العالم، الذين كانوا يبدعون بغزارة، كما لو أن لديهم إحساساً باقتراب الموت منهم. لذلك كان أحمد راشد لا يتوقف عن الكتابة، والاشتغال في حقول متعددة، في الوقت نفسه، وصدق حدسه إذ دنا منه الموت وهو لا يزال في عز عطائه.

أحمد الشاعر معروف على الصعيد العربي، بإبداعه وقدرته على النقد، يتحدث في جلساته مع الأصدقاء مثل طفل، ويسخر مثل طفل، ويحب مثل طفل، ولم يكن يعرف الحلول الوسطى. كثيرة هي التفاصيل التي يمكن أن أرويها عن أحمد، لكن خبر رحيله نزل عليّ كالصاعقة، في يوم من فبراير العام الماضي، إذ كنت في زيارة لمدينة غرناطة. جاءني الخبر بعدما أنهيت جولة في الحمراء الواقفة على ربوة أندلسية، تذكر بإبداع العرب. هناك هبط عليّ الخبر، وبقيت متجمداً لا أصدق ولا أريد أن اصدق ذلك الموت التي أخذ صديقي الشاعر، وهو الذي دائماً يقول إن «الموت لا يتوقف عن العمل». عدت إلى الإمارات، ولم أصدق أن أحمد رحل، هكذا ببساطة. وكنت زرته قبل وفاته بنحو شهر في أبوظبي، وكان بيته تعرض لحريق، روى لي أحمد تفاصيل ذلك.

ذكريات كثيرة مع أحمد، منذ أيام الجامعة، مروراً بمشاركته في مهرجان جرش الشعري في الأردن، وعمله في المجمع الثقافي، وبحثه في التراث، ومشاركته في مهرجان طيران الإمارات للآداب، وتعلقه بالفن التشكيلي.

أحمد راشد ثاني الذي أنجب «وهج» ابنته التي كانت صديقته، وكانت في يوم من الأيام قد أصرت أن تدعونا إلى مطعم ياباني في أبوظبي. وهي اسم على مسمى، تواصل جمع تراث والدها الشاعر، وتتواصل مع أصدقائه للحصول على كل ما يتعلق بالشاعر الراحل الذي أطلق اتحاد كتاب وأدباء الإمارات اسمه على قاعة الاتحاد في الشارقة.

وفي الذكرى الأولى لرحيله، أقول إن أحمد كان قلب الشعر، وقد صدق حين قال «الموت لا يكف عن العمل». ولكن سيرة الشاعر الزاخرة بالعطاء جديرة بأن تتواصل بعد غيابه عبر طباعة كتبه ومخطوطاته وترجمتها والتعريف به، كونه أحد أعلام الإمارات في الأدب.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا