• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

الفطرة قادتهم لاستثمار خيرات الطبيعة

كيف (صبغ) الأوائل (الكنادير) وقطع (المخاوير)؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 فبراير 2015

نوف الموسى (أبوظبي)

مثير للانتباه، جلوس مريم أحمد (أم علي) من إمارة الشارقة، أمام مجموعة من نماذج (الكنادير) وهي الدشداشة التي كان يرتديها الرجال، وقطع (المخاوير) وهي الملابس المخصصة للنساء في الماضي، والمنغمسة في أوعية دائرية، تتضمن أعشاباً طبيعية مطحونة، واللافت، ليس مشهد العشب الطبيعي نفسه، وإنما لون القماش بعد استخراجه من تلك الأوعية، حيث يخيل للمشاهد أن قطع الأقمشة تلك، جزء من عملية تنظيف خاصة بالأعشاب، أو عملية بدائية لتطوير استخدامات النباتات الطبيعية، باعتبارها مثلت أهم مصادر التطبيب في المنطقة المحلية، قديماً، إلا أن أم علي وفي شرحها التفصيلي للزوار، أجابت أنه انعكاس للمخزون الفطري لأهل المنطقة، في استثمارهم لخيرات الطبيعة، وهذه المرة في (صبغ) الملابس، وإعطائها قدره على التمايز، بين لون وآخر، وذلك تبعاً لما رأوه من قدرة للأعشاب الطبيعية وبعض البهارات ومستخرجات الحيوانات في تغطية الألياف أو الخيوط أو النسيج بشكل متجانس، موضحةً أن كثيرين من الجيل الجديد، يجهلون تلك المعرفة النوعية عن تراثهم، وكيف أن الأوائل امتلكوا إمكانية التفاعل مع اللون، وفعلياً فإن هناك الكثير من الأشخاص ممن يعتقدون بأن الأقمشة الملونة في السابق، كانت تأتي جاهزة، من خلال طرق التجارة المختلفة كالهند، إلا أن أُناس المنطقة، رسموا بصمتهم في هذا الفعل الذاتي، بتصوير مشهدهم البصري حول الذائقة الجمالية للون.

رحلة اكتشاف

بدأت رحلة اكتشاف مناحي استخراج الأصباغ مع أم علي، المشاركة ضمن فعاليات مهرجان قصر الحصن، وتجسدت الانطلاقة مع (الورس) وهي العشبة المعنية بإظهار اللون الأصفر الفاتح، كما أنها تحمل بعداً اجتماعياً في مناسبات الأعراس، كونها تستخدم لصبغ (كندورة) المعرس، لرائحتها الفواحة الجميلة أو ما يطلق عليها محلياً بـ (الخنينة)، بينما جاء حديث أم علي عن (القرمز) المستخدم للحصول على اللون العنابي أو الأحمر، مؤكدة أن نسبية لونه بين مرحلة الغامق والفاتح تعتمد على نسبة كمية وحجم مادة القرمز المستخرجة من أنثى الدودة القرمزية، وعلمياً فإن هناك نوعان من صباغ الدودة القرمزية، أولاً خلاصة الدودة القرمزية وهي مادة ملونة مصنوعة من أجسام الحشرة الخام المجففة والمسحوقة، وثانياً الكارمين وهي مادة ملونة مستخرجة من الحشرة نفسها والمتعارف على أنها الأكثر نقاءً. وانتقلت أم علي لـ“الزعفران”، وبحسب تعبيرها فإن تأثيره الملون متعارف عليه من خلال استخدامه في الأطعمة المتنوعة، إلا أنه أيضاً يستثمر كصبغ للملابس، مضيفة أن الزعفران أينما حل، فإنه مبعث للاستخدامات المتنوعة، إذ تتطيب منه النساء، ويضعن كميات نوعية منه، في المنطقة الخلفية للأذن، وفوق الرأس في حالة الشعور بالصداع، لفاعليته في تبريد الرأس.

مسألة الأصباغ عموماً تؤكد لنا، الإيمان التاريخي بتأثير ما توفره البيئة المحيطة، في ابتكار الإنسان لوسائل مختلفة، في سبيل العيش، فهل تعدد استخدامات تلك الأعشاب الطبيعية وصولاً إلى الأصباغ، يمثل ترفاً اجتماعياً في ذلك الوقت، أم حاجة الإنسان المستمرة في الانكشاف على معطيات الحياة، وهل تعمل الفطرة هنا كمصوغ للابتكار، أم باحث لمفهوم الرغبة والاحتياج؟ واستمرت أم علي في وصفها الثري، لعمليات استخراج الأصباغ، وحديثها عن ورق اللوز أو ما يسمى محلياً بـ (البيذام)، الذي يتم طبخه على النار، ويستخرج منه اللون الأصفر القريب من الأخضر، أو ما يسمى حديثاً بـ “الفسفوري”. وعند سؤالنا عن الرمان، الذي يتوسط الأعشاب الطبيعية، كصنف مغاير، لفتت أم علي أنه منتج جيد للحصول على اللون الأحمر. ومروراً بالكركم، قالت حوله أم علي: “صحيح أننا نستخدم الكركم في عملية الطهي، ولكنه من بين أروع البهارات المستخدمة للحصول على اللون الكركمي”، وصولاً إلى النيل، واستخراج اللون الأزرق النيلي، الذي تم استثماره في استخدامات بشرة الجسم.

بانوراما اجتماعية

ما تم عرضه من بانوراما اجتماعية لمشاهدات المستخرجات الطبيعية للأصباغ، يُلهمنا لأهمية الدراسة التاريخية لعلاقة أهل المنطقة بالبيئة المحلية، وطبيعة استثمارها لفعل صبغ الملابس نفسه من جهة، وما لعبته الطرق التجارية كالهند على سبيل المثال في إيصال المعرفة بتلك البهارات والمكونات الطبيعية، وأوجه استخدامها من جهة أخرى، كالعادات والتقاليد في آليات التحضير، وأوقاتها، والزمن المراد فيه إتمام عملية الصبغ، وهل تم اعتماد مهنة الصبغ، ضمن قوى السوق المحلي، أم تبنت الأسر في ذلك الوقت، الاعتماد على التحضير الذاتي لتلك الأصباغ، بالرجوع إلى معدل مدخولها، ومستوى دخل المعيشة اليومي؟ وهل أثّر صبغ الملابس مع الوقت على قراءة الطبقات الاجتماعية التي تكونت في المجتمع المحلي، وساهمت في تأسيس ظواهر حديثة، ضمن قيم المجتمعات البسيطة، ما قبل ظهور النفط؟

اعتبرت أم علي أن اختيارها لعرض منتجات الطبيعة المستخدمة في استخراج الأصباغ في المهرجان، نابع من اهتمامها الدائم بالتراث، مبينةً أنها تتعاون مع زوجها في ذلك، حيث صنعنا متحفاً ببيتهما في منطقة خورفكان بإمارة الشارقة، موضحة أن أبناءها يشاركونها كذلك في كل ما له علاقة بالتراث، وذلك خلال زياراتهم المتنوعة للمهرجانات التراثية أو اقتناء المجموعات والأثريات القديمة من أماكن مختلفة والاحتفاء بها في المتحف المنزلي، طارحةً أم علي في نموذجها ما يمكن تسميته بالجهود الأهلية في شراكة الحفاظ على التراث، والذي يلعب دوراً كبيراً في دعم المؤسسات الثقافية للوصول إلى مرحلة الصون المتوارث، ممثلاً إحدى أهم المبادرات الإنسانية والوطنية، خلال المرحلة الراهنة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا