• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

لماذا يغيب تراثنا التنويري أو يُغيَّب عن مناهجنا؟

القراءة المبتورة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 27 أبريل 2016

هاشم صالح

إن الاحتفال بالقراءة، بمناسبة المعرض الدولي للكتاب في أبوظبي، حدث مهم ومرحب به كل الترحيب. فإذا كان العرب بحاجة إلى شيء ما بعد الأكل والشرب، فهو المطالعة وتوسيع الآفاق المعرفية. ولا يمكن لهم توسيع آفاقهم المعرفية إلا إذا قرأوا عشرات، وربما مئات الكتب. كل من عاش في الغرب زمناً طويلاً يدرك ما أقول هنا.

كان أول شيء لفت انتباهي عندما وصلت إلى فرنسا هو كثرة القراء، وبالأخص القارئات في الأماكن العامة: من حدائق، وميترو، وباصات، ومحطات قطار، إلخ..الكثيرات كن يضعن كتاباً في وجوههن، وهن ينتظرن الوصول أو الرحيل. كثيراً ما كنت تجد هذه السيدة أو تلك غاطسة في قراءة رواية لبلزاك مثلاً أو ستندال أو فلوبير أو غي دو موبسان.. والكثيرون أيضاً. شعب بأكمله يقرأ ويثقف نفسه بنفسه. ولكنه شعب تجاوز مرحلة الأمية كلياً تقريباً. أما شعوبنا العربية، فلا تزال تعاني من الأمية بنسب ضخمة ومخيفة، وبخاصة فيما يتعلق بالنساء. فكيف يمكن أن تشجع على القراءة شعباً وهو أمي إلى حد النصف وربما أكثر؟ علمه أولاً القراءة والكتابة وبعدئذ شجعه على القراءة والمطالعة.

أين المكتبات؟

هناك نقطة ثانية أساسية تتعلق بمدى توافر الكتب والمكتبات في البلدان العربية أو عدم توافرها. ماذا تستطيع أن تفعل إذا كان بلدك محروماً من الكتب والمكتبات العامة إلى حد كبير؟ كيف يمكن أن تطالع كتباً غير متوافرة، أو ليست في متناول اليد؟ أو ربما كانت متوافرة، ولكنها غالية الثمن، ولا تستطيع الطبقات الشعبية شراءها. لقد عشت في فرنسا مدة ثلاثة وثلاثين عاماً متواصلة، ولاحظت أن الشعب الفرنسي يستطيع أن يثقف نفسه بنفسه دون أن يشتري كتاباً واحداً إذا ما أراد. أقول ذلك على الرغم من أنه ليس شعباً فقيراً على الإطلاق بل يقف في مقدمة الشعوب الغنية المتقدمة. ولكن على الرغم من ذلك، فإن الدولة توفر له إمكانية إشباع رغبته في القراءة والمطالعة مجاناً. ومعلوم بهذا الصدد أن أندريه مالرو، وزير الثقافة في عهد ديغول، هو الذي دشن نظام المراكز الثقافية والمكتبات البلدية في فرنسا.لا يوجد حي في أي مدينة فرنسية إلا ويحتوي على ما يدعى بالمكتبة البلدية. لا توجد قرية من قرى فرنسا النائية إلا وهي مزودة بمكتبة عمومية. وهي تعير الكتب والمجلات وأفلام الفيديو مجاناً إلى المواطنين. هذا ناهيك عن كتب الأطفال. لقد زود مالرو البلاد كلها بشبكة كاملة من المكتبات العامة تغطي البلاد من أقصاها إلى أقصاها. وفي الأحوال العادية يعيرونك خمسة كتب دفعة واحدة لمدة ثلاثة أسابيع. ولكن في أشهر الصيف يعيرونك الضعف أي عشرة كتب، لأن الناس تكون متفرغة عادة للقراءة والمطالعة.

وفي مدينة «رانس»، التي لا تبعد عن باريس أكثر من خمسين دقيقة بالقطار، يحلو لي أن أقيم أحياناً بشكل مطول نسبياً. وقد اكتشفت مؤخراً مفاجأة سعيدة: وهي أنه يكفي أن تكون مسجلاً في إحدى مكتبات المدينة لكي تصبح أتوماتيكياً مسجلاً في كل مكتباتها دون استثناء. وهي تعد بالعشرات، على الرغم من أن المدينة صغيرة نسبياً. وبالتالي، فهذا تحسين إضافي في الخدمات والتسهيلات والتشجيع على القراءة والمطالعة. إني أعرف أننا لا نستطيع تحقيق كل هذا التقدم دفعة واحدة. فهذه الأمم المتطورة من فرنسية وانكليزية وألمانية إلى آخره، لم تتوصل إلى كل هذا التقدم إلا بعد قرون من التراكم المعرفي والنضج الفكري والنمو الاقتصادي المطرد. ولكن لماذا لا نستلهم تجربتها في هذا المجال، ونحققها نصفياً أو جزئياً على الأقل؟ لماذا نقلدهم في السيئ، ولا نقلدهم في الجيد؟ كنت قد حذرت مراراً وتكراراً من تقليدهم في كل شيء، وبخاصة في الصرعات والموضات الدارجة والحريات الإباحية الشذوذية. ولكن فيما يخص نظام المكتبات العامة توجد تجربة إيجابية جداً، ويستحسن تقليدهم فيها. وأنتهز هذه المناسبة لتبيان الفرق بين التقليد الجيد/‏ والتقليد السيئ للغرب. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف