• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

التعارض الظاهري بين الدين والفلسفة يرفعه التأويل

ابن رشد.. فيلسوف الفصل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 27 أبريل 2016

عبد السلام بنعبد العالي

نستطيع أن نقول إن ابن رشد فيلسوف «الفصل» بلا منازع، فهو يُرى أوّلاً في شخصه، «شخصيتين ثقافيتين» متمايزتين: الفيلسوف والفقيه، ثم هو ينادي بالفصل بين ما للعلماء، «أهل الفطر الفائقة»، وما للعامة، وأخيراً فهو يدعو إلى الفصل بين هذه العامة وبين الخوض في المسائل الكلامية. فيما يخص النقطة الأولى، نحن نعلم أن صاحب «فصل المقال» يشكل حالة تكاد تكون متفرّدة في تاريخ الفلسفة في الإسلام، وهي جمعه بين الفقه والفلسفة. فقد كان شارحُ أرسطو في الوقت ذاته مصنِّفاً لـ«بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، يمارس القضاء، ويتمتع بمكانة اجتماعية لم يكن ليستمدها من حيث هو فيلسوف. كما حاول رد الفلسفة إلى أصولها، وانتقاد مختلف التحريفات التي تعرضت لها من قِبل فلاسفة الإسلام وشرّاح أرسطو.

لم يكن ابن رشد ينظر إلى هذا الجمع بين الفقه والفلسفة على أنه «توفيق» على نحو ما دعا إليه المتقدمون عليه. إلا أنه لم يكن يرى فيه كذلك ما يمكن أن ننعته بالفصام، إذ إن المقصد واحد سواء في الدين أو في الفلسفة. فـ«الحق لا يضاد الحق»، والحقيقة واحدة. الاختلاف فقط في من يتوجه إليه كلا الخطابين، الديني والفلسفي: الشريعة خطاب للناس كافة، أما الفلسفة فهي علم يختص بعقول متميزة هي عقول «الراسخين في العلم»، «أهل الفطر الفائقة».

ورغم ذلك فليس هناك تعارض حقيقي بين المجالين، بل هو مجرد تعارض ظاهري، ومهمة الفيلسوف هي رفع هذا التعارض عن طريق التأويل: و«نحن نقطع قطعاً أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي، وهذه قضية لا يشك فيها مسلم». إننا إذاً أمام فقيه يشعر بأن نظرة أهل الفلسفة إلى صناعتهم لا تكفي لتعطيها الشرعية، لذا فهو يلجأ إلى إصدار فتوى في المسألة و«بيان حكم الشرع في علوم الأوائل»، ليؤكد أن الدين يوجب النظر العقلي: «وإذا تقرر أن الشرع أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئاً أكثر من استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه، [...] فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي».

لا يكتفي ابن رشد بإثبات ضرورة الفلسفة اعتماداً على منطق الفلاسفة كما فعل المتقدمون، وإنما رجوعاً إلى المنطق الأصولي. قد يقال كيف تؤسس صناعةٌ ظنية معرفةً برهانية؟ لكن لا ينبغي أن ننسى أن هذا التأسيس يتم من طرف فقيه يتمتع بـ«وجاهة اجتماعية».

نقد المتكلمين ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف