• الاثنين 03 رمضان 1438هـ - 29 مايو 2017م

في يناير الماضي طالب مارك روتي، رئيس الوزراء الهولندي- من يمين الوسط- الوافدين الجدد إما «أن يتصرفوا بشكل طبيعي، أو يرحلوا»

هولندا والجنوح نحو اليمين

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 18 مارس 2017

إيزاك ستانلي بيكر*

حين انتقل أحمد مركوش من قرية صغيرة في شمال المغرب إلى أمستردام عام 1979 شعر وكأنه قد سافر في آلة الزمن «إلى 100 عام في المستقبل... فكل شيء كان يعمه النور وحتى في الشوارع كانت هناك شاشات في كل مكان، في حين أن القرية كان فيها تلفزيون واحد»! وبعد مرور 38 عاماً الآن، أصبح مركوش يسعى للفوز بفترة ولاية ثانية كعضو في البرلمان الهولندي عن حزب العمال، في انتخابات تعتبر استفتاء على قياس مشاعر البلاد نحو المهاجرين واللاجئين. فالزعيم الهولندي الشعبوي خيرت فيلدرز وصف المغاربة بأوصاف غير لائقة، وتعهد بأن «ينزع الإسلام» من هولندا. ويتوقع أن يحقق فيلدرز مكاسب كبيرة في الانتخابات الهولندية الحالية، مما يشير إلى تصاعد المشاعر المناهضة للمهاجرين ليس فقط في هولندا وحدها، ولكن على امتداد الغرب بشكل عام. ونجاح حزب «الحرية» بزعامة فيلدرز قد يدفع أحزاب اليمين المتطرف الأخرى في ألمانيا وفرنسا لأن تسعى، هي أيضاً، للحصول على السلطة في وقت لاحق من هذا العام.

ولكن رحلة مركوش من المغرب إلى شوارع هولندا التي كان يحرسها كضابط شرطة، قبل أن يدخل البرلمان عام 2010، تقدم قصة بديلة للانتفاضة اليمينية التي يُعتبر فيها الأجانب موضوعاً سلبياً في رأي اليمين المتطرف. وقصة مركوش يستشهد بها كثير من المهاجرين على الانفتاح التاريخي لهولندا التي جاء إليها والد مركوش كعامل مؤقت! ولكن مركوش الابن حصل على تعليم أفضل وعمل أكثر استقراراً مما مكنه من السعي للاندماج بفعالية أكبر في المجتمع الهولندي. ويعرف مركوش أن المشكلة تتمثل في التمييز ضد الأقليات العرقية وخاصة في سوق العمل، وفي القسط غير المتناسب من الجريمة المسؤولة عنه هذه الأقليات. ولكنه يعتقد أيضاً أن المهاجرين من الجيل الثاني، أو من ولدوا في هولندا حصلوا على فرص لم تكن متاحة لأسلافهم. وفي هذا السياق أشار «هاين دي هاس»، المتخصص في علم الاجتماع في جامعة أمستردام، أن هناك عوامل هيكلية ساعدت على ذلك مثل المستوى المنخفض نسبياً للفصل المكاني في هولندا عن الدول الأوروبية الأخرى، وهو مما منح فرصا أكبر للمهاجرين للتقدم.

ويرى مركوش أن هذا التقدم الذي حققه المهاجرون هو السبب الذي نشأ عنه الاستياء وخاصة مع الأخذ في الاعتبار سرعة التغير. فقد زاد سكان هولندا 110 آلاف نسمة في عام 2016، بسبب وصول 88 ألف مهاجر معظمهم من سوريا وفقاً للمكتب الهولندي المركزي للإحصاء. ومن هم من أصول أجنبية يمثلون الآن نسبة 22 في المئة من السكان. ونستطيع القول إنه قد أعيد تشكيل المجتمع الهولندي على أساس خطوط عرقية جديدة. فقد أصبحت خديجة عريب مثلاً، وهي هولندية مغربية الأصل من حزب العمال، رئيساً للبرلمان الهولندي. وكذلك أحمد أبوطالب هو رئيس بلدية مدينة روتردام المينائية ويحمل الجنسيتين.

وبدورها أكدت بورجا مارتينوفيتش، الباحثة في شؤون الهجرة والعلاقات بين الجماعات في جامعة «أوترخت»، أن عملية الاندماج تقدمت كثيراً في السنوات الخمس عشرة الماضية، بمعايير التعليم والحصول على الوظائف وإجادة اللغة. وأكدت أن المهاجرين أصبحوا أكثر قدرة على التواصل مع السكان المحليين، وخاصة وسط الجيل الثاني. وذكرت مارتينوفيتش أيضاً أنه حين يكون هناك اندماج دون احتواء كامل يبدأ أفراد جماعات الأقلية بتأكيد وجودهم فهم «يريدون أن يجعلوا صوتهم مسموعاً، وربما يريدون أيضاً التمتع ببعض السلطة في المجتمع». ولكن هذا، بحسب تفسيرها، يهدد الإحساس «بالملكية الجماعية.. أي الإحساس بأننا كجماعة مهيمنة من حقها إدارة هذه البلاد، وأن تقرر من يدخل البلاد ومن يُمنع من الدخول». وأشارت إلى أن حملة دونالد ترامب الانتخابية، وحملة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، تحدثتا عن السيطرة على الحدود وإعادة البلاد إلى الشعب. وأضافت «هذا يبدو أن له جاذبية انتخابية كبيرة هنا أيضاً».

وكذلك يؤكد «خيش دي فريش»، المنسق السابق لمكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي، أن هذه المشاعر موجودة منذ سنوات خاصة منذ وقوع عمليتي قتل سياسيتين بارزتين في عامي 2002 و2004 اضطربت لهما البلاد بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. ولكن الجديد، بحسب رأيه، هو أن هذه المشاعر أصبح يمثلها عدد أكبر من الأحزاب السياسية، مما دفع التيار الرئيسي في المشهد السياسي للجنوح نحو اليمين. وقد تجلى هذا في يناير الماضي حين طالب مارك روتي، رئيس الوزراء من يمين الوسط، الوافدين الجدد إما «أن يتصرفوا بشكل طبيعي، أو يرحلوا».

وقد فتح هذا المجال أمام أحزاب الأقلية لأن تتبنى رسالة أكثر تأييداً للمهاجرين. ولم يتبن هذه الرسالة حزب العمال فحسب بل أيضاً تبناها حزب الخضر وأعضاء من حزب «دينك» وتعني «فكر»، وهو حزب متمرد يعادي الحكومة من منطلق مختلف تماماً عن فيلدرز. ولكن الخضر يحصدون فيما يبدو دعماً أكبر مع تزايد التأييد في موسم الانتخابات الحالي. وقد صرح «برام فان أويك»، الزعيم السابق لحزب الخضر، بأن الحزب يرى أنه يتعين على هولندا أن تبذل جهداً أكبر في استيعاب اللاجئين الذين أصبح عددهم 65 مليوناً في العالم، بينما 95 في المئة منهم ترعاهم الدول الأفقر في العالم. وأضاف أن الأحزاب الأخرى تعارض موقفنا ولكننا «نحاول إلقاء الضوء على الجانب الآخر من المسألة».

* كاتب أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا