• الثلاثاء 06 رمضان 1439هـ - 22 مايو 2018م

مستقبل الترجمة في العالم العربي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 30 ديسمبر 2007

جابر عصفور

لا أزال من غير المتفائلين بمستقبل حركة الترجمة في العالم العربي، ذلك على الرغم من كل العوامل التي تبعث على التفاؤل، والمرتبطة، أولاً، بتكاثر عدد مؤسسات الترجمة وهيئاتها على امتداد العالم العربي، ولأن الجامعات العربية، ثانياً، دخلت مجال الترجمة، وأصبحت تعمل على نشرها، وأضف إلى ذلك، ثالثاً، الجوائز الأخيرة التي أصبحت تخصصها الهيئات العديدة للترجمة وهي علامات يمكن أن تبعث على التفاؤل لو نظرنا إليها على مستوى السطح فحسب، أما إذا جاوزنا السطح إلى ما تحته من مشاكل مستعصية، وجدنا أن الطريق لا يزال طويلاً دون التفاؤل، وأن أي مسيرة نحو المستقبل المشرق للترجمة لا تبدأ إلا بأمور بديهية، أوّلها: قاعدة معلومات، وللأسف، نحن لا نعرف إلى اليوم ما ترجمنا، أو نترجم سنوياً، على مستوى العالم العربي، صحيح أن هناك تقرير التنمية الإنسانية العربية، وما أشبهه من تقارير، لكن الإحصاءات الخاصة بالترجمة في مثل هذه التقارير غير دقيقة، ويسهل اكتشاف عدم دقتها بقياسها على بعض المجالات المعروفة، أو الإحصاءات التي تصدرها هذه المؤسسة أو تلك في هذا الجانب أو ذاك من مجالات الترجمة.

ومن البديهي أننا لا نستطيع أن نبدأ بعزم أكيد، أو نقوم بتخطيط علمي سليم لمستقبل الترجمة، إلا إذا أحصينا الهيئات والمؤسسات والمنظمات والجامعات والمراكز التي أصبحت مهتمة بعملية الترجمة، وأضفنا إلى ذلك بالطبع دور النشر الخاصة التي لاتزال مهمة في عملية الترجمة على امتداد العالم العربي، ويقيني أنه لا خطوة واثقة إلى الأمام في مدى التغيير الجذري لأوضاع الترجمة، ووضع استراتيجية فاعلة لها، إلا بتأسيس قاعدة معلومات، شاملة، دقيقة، نعرف منها، على وجه التحديد، ما نحن فيه، أو عليه، وما ينقص تحديداً في هذا المجال أو ذاك.

والبديهية التي تترتب على ذلك أنه لا يكفي بناء قاعدة معلومات كاشفة عن الجهات المنتجة للترجمة، بل لابد من التنسيق بينها، وتبادل الخبرة والفاعلية، حتى لا يضيع الجهد سدى، ونفاجأ أن كتاباً واحداً قد صدرت له ترجمات عديدة على سبيل المثال، بينما توجد كتب أكثر منه أهمية لم يترجمها أحد، والخطوة الأولى لتحقيق مثل هذا التنسيق أن تتبنَّاه منظمة عربية قادرة، لا تعاني من الترهل أو البيروقراطية، تقيم لقاءات دورية لكل المنتجين للترجمة في العالم العربي، وتكون هذه اللقاءات مناسبة جيدة للتعريف بالخطط والبرامج وكل ما يؤدي إلى التنسيق وتوجيه كل الجهود صوب هدف واحد. وإذا تركت البديهيات المطلوبة إلى واقع الترجمة المأزوم، وجدت أن سر الأزمة يكمن، أولاً، في وجود عوائق خارجية، متصلة بالسياقات التي تتم فيها، وتحت تأثيرها، عمليات الترجمة ويمكن حصر هذه العوائق الخارجية في ستة عوائق: أولها العائق التجاري وما يتصل به من استهداف الربح بالدرجة الأولى بعيداً عن الأمانة والدقة، وهو الأمر الذي يقترن بإهدار حق المترجم وعدم مكافأته بما يستحق مالياً، وهو أمر لا ينفصل عن حرص القطاع الخاص، فضلاً عن ما سبق على كتب الصرعات والموضات التي تسيل لعاب القارئ المحدود أصلاً والذي هو سبب من أسباب ضعف توزيع الكتاب المترجم، خصوصاً حين لا يكون هذا الكتاب مدعوماً، أو زهيد الثمن.

وأضف إلى العائق التجاري الاقتصادي العوامل الموازية والمؤازرة التي تنخفض بالسقف المسموح به في الترجمة إلى أبعد حد، وتؤدي إلى تقليص حرية المترجم والترجمة وفي الوقت نفسه، توسيع حدود الممنوع والمحرّم إلى درجة لم تصل إلى ما هي عليه في الثقافة العربية من قبل. وتتفاعل، في هذا المدى، العوائق السياسية التي تفرض محرماتها، وتزيد يوماً بعد يوم من مساحة الممنوع ترجمته، سواء عن أنظمة سياسية مختلفة، أو عن مفاهيم يمكن أن تهدد ترجمتها استقرار النظام القائم في نفوس التابعين له، ويوازي هذا العائق السياسي العائق الديني الذي يتلازم معه تلازم العلة والمعلول في غير حالة، خصوصاً حين ينتهى الأمر بفرض وصاية دينية سياسية على القارئ، وصاية تصل إلى توسيع دوائر التحريم في الأنظمة التسلطية، وما نستعين به من فكر ديني إذعاني.

وأضف إلى ذلك العائق الاجتماعي الذي يرتبط بالتقاليد السائدة والأعراف الغالبة هذه المرة، وأوضح ما يكون ذلك في مجالات الترجمة التي تتحدث عن تحرير المرأة، أو تكشف الظلم الواقع على الأقليات أو على الطوائف المستضعفة، ولا ينفصل عن ذلك العائق الثقافي الذي يتصل بضعف معدلات الترجمة بوجه عام، وعدم وجود العلم أو التفكير العلمي بوصفه مكوناً أساسياً للثقافة، فضلاً عن فتور رغبة معرفة الآخر نتيجة ثقافة الانغلاق على الذات والتقوقع في مدارها المغلق، ويزداد هذا المدار انغلاقاً حين نضع في اعتبارنا العامل الاقتصادي الذي يقترن بعمليات التمويل والإنفاق على إعداد المترجمين، خصوصاً في المجالات النوعية التي أصبحنا في أمسِّ الحاجة إليها. كل هذه العوائق لا تزال قائمة، لم تتزحزح إلا قليلاً جداً، وما زالت فاعلة، مؤثرة بالسلب على حركة الترجمة بوجه عام، وهي عوامل تسقط حاضرها على مستقبلها فتجعل المستقبل امتداداً للحاضر المهزوم الذي لا يبعث على التفاؤل، أو الحركة الواثبة في عمليات إنتاج للترجمة، تحقق معدلات توازي المعدلات التي نسمع عنها في الأقطار المتقدمة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا