• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

نَردُ المسافات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 أبريل 2016

أمل إسماعيل

لم يعد أحد يلعب المونوبولي (1) الآن، هذا الشيطان الصغير خسرَ قواهُ السّحرية في عالمٍ لم يَعد طعمُ المسافات فيه شهياً، وصارتْ اللعبة ملكاً للأحمر القاني، للأحمر المتخثّرِ في الطرقات، وللبحر الذي ملّ غسل عارنا صباحَ مَساء، وابتلاعَهُ متى ما دَعتِ الحاجَة إلى ذلك!

المونوبولي، اللعبة التي اخترعتها «إليزابيث ماغي» دون أن تدري أنّ «تشالز دارو» سيُشيطنها ويُمطِر العالمَ بهَوَسٍ يمتدّ ليالي وأياماً، مُنزلاً سَكينة زائفةً على بيوت لاعبيها كي يحافظ كلّ واحدٍ منهم على ممتلكاته الثمينة، والبطاقات التي تثبتُ ملكيتَهُ للأرضِ، والشارع، والسكَكِ والحارات. آه! إنها أموالهم الصفراء والخضراء والحمراء، وحظهم الذي يُمكن قراءَته من بطاقة.

نجتمِعُ على كلمةٍ، وعدٍ، شغفٍ، عنادٍ، دهشةٍ، تحدٍ، وَعِيد. تفرّقنا مصالحنا ويسودنا جَشعٌ ينبتُ في أصابعنا لينثر بذوره السامة على الأرض الخضراء، ويُنبتَ فيها قرى وبيوتاً من صنعنا، فنتحول إلى أسياد، ومُلّاك. وعندما تتقيأ الأرض جشعنا، ينقلبُ ذلك البساط المربع رأسا على عقب مبعثراً حمولته في أرجاء الغرفة. الكائنات تقاتل بعضها بعضاً، طعمُ الحياة صار مُرا، ونكهة الموت تدوسُ كل ما عَمّرناه، لكن واحداً منا فقط يُصرّ على البقاء، ويُعمّر الأرض من جديد، إنه الذي يعرفُ أننا سنلعبُ مرة أخرى. وكنتُ دائما.. ذلك «المتبقّي»(2).

فردوس المونوبولي

تنطفئ حياة المونوبولي لتبدأ حياة أخرى، حينَ يتحوّل بساطها الكرتوني الأخضر – ويا لسخرية القدر – إلى مروحةٍ تتناقلها الأيادي إذا انقطعت الكهرباء وتسرّبت نسمة الهواء خارجة من قفص الإسمنت الميت. إنه احتكارٌ مِن نوع آخر، يتكدّسُ الهواء الرّطِبُ في رئاتنا كأن لا نسمة تأتينا إلا عَبرها، ويولد الحظ في يَد مَن يحملُ المستطيل الأخضر لينعمَ برائحة الجنة ونسمتها الباردة. كنتُ أتساءل كثيراً عن سِر هوائها المنعش، هوائها الذي ليس إلا قطعة صغيرة من ذلك القيظ الذي يذيب لحمنا الصغير على مهل. إنه فردوس المونوبولي بلا شك! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف