• الخميس 02 ذي الحجة 1438هـ - 24 أغسطس 2017م

«شِبُّولَتْ» أو سَوْط الكَراهِيَة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 مارس 2017

د. العادل خضر

في فيلم «كتاب إيلي» الّذي أخرجه الأخوان ألبار وآلان هيوجز Albert &Allen Hughes، وبطولة دنزل واشنطن Denzel Washington وغاري أولدمان Gary Oldman، تدور الأحداث في عالم قد دمّرته الحرب النّوويّة وحوّلته إلى صحراء موحشة بعد خراب طبقة الأوزون. في هذا العالم الّذي صار فيه البقاء للأقوى ولمن يملك أسباب العيش وينابيع الماء، احتدم الصّراع بين رجلين: أحدهما رحّالة يدعى «إيلي» يسافر وحيدا حاملا في جرابه الكتاب المقدّس، يتلو منه كلّ يوم ما تيسّر. ولم يكن له من هدف سوى بلوغ غرب أميركا، حيث أُمر على نحو شبيه بالإلهام بأن يسير إلى تلك الأصقاع لإيداع الكتاب. أمّا ثانيهما فهو رجل يدعى «كرناجي» يتحكّم برجاله المسلّحين في سكّان قرية مليئة بالنّاجين من كارثة الحرب، بسبب استيلائه على عين ماء صالحة للشّرب. وقد عاش قبل الحرب وعرف مباهج الحياة السّابقة كمتعة القراءة.

كان «كرناجي» يبحث عن كتاب أُتلف بعد الحرب، هو «الكتاب المقدّس»، حتّى يُحكم قبضته على قلوب النّاس ويوسّع من سلطانه. ويوم علم أنّ الكتاب المفقود في حوزة «إيلي» سطا عليه بعد أن خاض ضدّ الرّجل حربا فَقَدَ فيها معظم رجاله، وجرحت رجله جرحا بليغا. ولكنّه ما أن أفلح في فتح غطاء الكتاب المغلّق، حتّى فوجئ بأنّ الكتاب أبيض قد كتبت صفحاته البيضاء بلغة برايل، فلا يمكن لأحد من خدمه وحشمه أن يقرأه إلاّ كلوديا العمياء الّتي ترفض أن تترجمه له انتقاما منه لأنّه أبعد عنها ابنتها سولارا. ينجح «إيلي» في نهاية رحيله الطّويل الّذي دام ثلاثين سنة في بلوغ مدينة سان فرانسيسكو في الغرب وهو جريح. وفي جزيرة ألكاتراز، حيث شرع سكّانها في تكوين مكتبة كونيّة، أملى عن ظهر قلب جميع أسفار الكتاب المقدّس، ثمّ أسلم الرّوح بعد أن طُبع الكتاب ووُضِع جنبا إلى جنب مع التّوراة والقرآن. وفي لقطة سينمائيّة مركّزة على عيني «إيلي» توحي بأنّ هذا الرّجل أعمى أو شبه كفيف، تبلغ المفارقة ذروتها: فـ «كرناجي» الرّجل القويّ يموت في النّهاية جريحا وقد حُرم من لذّة قراءة الكتاب الّذي كتب بحروف محفورة لا يقرؤها إلاّ العميان. ولا يقابله في ذاك المصير سوى «إيلي» الرّجل المنعزل الّذي يموت جريحا بدوره وهو يُملي الكتاب ليصبح بعد نسخه وطباعته مبذولا للقراءة على نحو عموميّ لكلّ من يحسن فكّ أسرار الحرف.

في واحة التأويل

كيف نؤوّل هذه المفارقة؟ يضعنا الكتاب الأبيض أمام نوعين من القرّاء: الأمّيّ الّذي لا يقرأ، أي القارئ الّذي يرى الكتابة ولا يعرف كيف يقرؤها. وهذا النّوع من القرّاء قد رسم جيل دولوز وفيليكس غواتاري بعض ملامحه في كتابيهما «أوديب مضادّا، الرّأسماليّة والسكيزوفرانيا». فالعين الّتي لا تقرأ الحرف وتراه فقط هي عين الأمّيّ. فالكتابة الألفبائيّة لم تكن للأمّيّين ولا جعلت لهم، ولكنّها كانت بهم. ودون الأمّيّ الّذي لا يقرأ ما كانت الكتابة والكتاب. أمّا النّوع الثّاني فهو القارئ الّذي يقرأ، أي القارئ الأعمى الّذي [لا] يرى الكتابة ولكنّه يعرف كيف يقرؤها. فما تقوله حكمة هذه المفارقة هو أنّه لم يوجد قطّ تطابق تامّ بين الحرف المكتوب والحرف المقروء إلاّ مع الكتابة الألفبائيّة حين تآلفت حركات: اللّسان الّذي يتكلّم، والأذن الّتي تسمع، واليد الّتي تكتب، والعين الّتي تقرأ. وهذا التّطابق هو ضرب من التّرجمة يمرّ فيها الكلام من حاسّة إلى أخرى، ومن عبور إلى عبور، حتّى تبلغ العبارة مقصدها ومنتهاها. ويكفي أن يضطرب هذا التّطابق فلا تُنْطَقُ العبارة على النّحو المنتظر، فتُخيِّب كلّ توقّع، حتّى تنغلق مسالك العبارة، فيستحيل العبور. وإذا علمنا أنّ العبارة الحيّة مرتبطة بجسد من يحملها، تتنقّل بتنقّله، وترحل برحيله، وتُنيخ أينما حطّ الرّحال، وسلّمنا في الآن نفسه بأنّ الكلام يحتاج إلى الطّريق حتّى يمرّ، مثلما يحتاج إلى الكتابة حتّى يبقى عابرا للزّمان، تتناقله الأجيال جيلا بعد جيل، أمكن لنا أن نتصوّر العبارة في هيئة «جواز سفر»، بفضلها يمكن المرور واقتحام الحدود.

هاهنا نستحضر حكاية «علي بابا أمام» مغارة اللّصوص. فحين نطق بكلمة المرور على نحو سليم وقال: «افتح يا سمسم» انفتحت له طريق العبور إلى كنوز المغارة، يدخل ويخرج متى يشاء. أمّا أخوه قاسم فقد نسي الكلمة، فلم ينطق بعبارة «افتح يا سمسم» الّتي كان يُنتظر سماعها. فكان مصيره الموت، وتقطيع اللّصوص جثّته في بعض الرّوايات.

والطّريف في حكاية «عليّ بابا» أنّ كلمة العبور الّتي ينتظر لفظها هي من سجلّ الحبوب، كالشّعير والقمح والسّمسم... وهو سجلّ عجيب نجده حاضرا في قصّة من القصص التّوراتيّ. فقد جاء في سفر القضاة ما يلي: «فاستولى الجلعاديّون على مخاوض نهر الأردن. وكلّما قال أحد رجال أفرايم الهاربين: دعوني أعبر، كان رجال جلعاد يسألونه: أنت أفراميّ؟ فإن قال: لا، كانوا يطلبون منه أن يقول: شِبُّولَتْ، فيقول سِبُّولَتْ من غير أن يتحفّظ في لفظها لفظا صحيحا، فيقبضون عليه، ويذبحونه على مخاوض الأردن. فقتل في ذلك الوقت من أفرايم اثنان وأربعون ألفا». (الإصحاح 12,5-6). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا