• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

بمناسبة ذكرى وفاته العاشرة

محمد الماغوط.. العاصفة التي لم تندم على شيء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 17 أبريل 2016

محمد عريقات (عمّان)

جاءت الذكرى العاشرة لوفاة الشاعر محمد الماغوط، في الرابع من نيسان الحالي، هادئة بلا ضجيج وبلا تذكر لهذا «البدوي الأحمر» تماماً كما كان حاله في السنوات الأخيرة من حياته التي قضاها في عزلة تامة، الأمر الذي أقلق أصدقاءه، فليس من عادة العاصفة أن تستند مرتاحة إلى هدوء شجرة بلا عصافير تتحرش بسكون أوراقها، وهذا ما فاجأ الشاعر محمود درويش حين زاره في بيته الدمشقي فقال: «العاصفة ترتاحُ على أريكةٍ، تشربُ وتضحك وتطلقُ النكات»، كما أن بعض أصدقائهِ ومنهم الشاعر اللبناني بول شاؤول يرى أنها «عزلة حقيقية إلا أنها لا تأكل بعضها»، بمعنى أنها بقيت على اتصال بما يدور من أحداث اجتماعية وسياسية وثقافية خارج غرفته المكونة «من ملايين الجدران».

مرّت ذكراه العاشرة بلا انتباه - إلا فيما ندر - من الصحافة العربية، كما لو كان واحداً من العمال الأقل أهمية في ورشة الحداثة الشعرية العربية، فيما هو الورشة بكل ما فيها من عمال وخبراء ومهندسين، بل وكان هو نفسه المواد الأولية التي يعمل بها هؤلاء، فأنجز قصيدة النثر العربية، بلا مرجعية شعرية عربية، وكذلك لم تكن ابنة الحداثة الغربية والغريبة التي كان يكتب شعراؤها قصائدهم بمقاييس (أصنامهم)، بل كان الماغوط بداية، وكانت قصائده كتلك النباتات التي تنمو بين الصخور بلا لقاح أو متعهّدي مشاريع شعرية.

بثلاث مجموعات شعرية «حزن في ضوء القمر» 1954، «غرفة بملايين الجدران» 1960 «الفرح ليس مهنتي»، 1970 ثلاث عواصف متتالية، استيقظن منذ بدايات القرن العشرين، استطاع الماغوط أن يملأ عين ذلك القرن بالكحل وأن يحتكر الريادة الشعرية الحديثة لقرون ستجيء اعترف بذلك التاريخ والنقد أو لم يعترفوا».

أعود إلى ذكرى استراحة العاصفة التي عصفت بي وأنا أقتني كتابه الأخير «شرق عدن...» الصادر عن دار المدى 2005، والذي أحالني عنوانه الفانتازي بداية الأمر إلى رواية «شرق عدن» لجون شتاينبك، إلا أن الفارق كبير بينهما، فالماغوط يشير بعنوانه هذا إلى مسافة زمنية ومكانية فانتازية مبهمة، لعله أراد منها أن لا يُقرأ كتابه في سياق تجربته الإبداعية غير الشعرية، فالكتاب لم يأتِ بجديد على ما سبقه، وما احتوته صفحاته التي تزيد على 600 صفحة ما هي إلا استعادة وترسيخ لكل ما قاله في كتبه السابقة تحديداً «البدوي الأحمر»، «سياف الزهور»، و«سأخون وطني»..

كتاب عصيّ على التصنيف فهو خليط من قصائد قصيرة جداً ومقالات رشيقة ساخرة وخواطر ليّنة إلا أن الماغوط شدها إلى بعضها بعمود فقري هو قصيدته «احتضار» التي كتبها عام 1958 والفائزة بجائزة جريدة النهار اللبنانية لأفضل قصيدة نثر، وهذا ما التفت إليه من ساهموا بكتابة المقدمات للكتاب وهم: الكاتبة والمترجمة فاطمة النظامي، وصديق طفولة الماغوط الشاعر إلياس مسوح، والشاعر بندر عبد الحميد الذي كتب كلمة الغلاف الخارجي، وثلاثتهم لم يتحدثوا عن مضمون الكتاب ولا عن الكتاب بقدر ما لفتوا إلى تجربة الماغوط بشكل بانورامي الماغوط بشعره ومسرحه ومقالاته وشحمه ولحمه..

إلا أن الماغوط عودنا كقراء على غرائبيته ومزاجه وشطحاته وحتى على أخطائه النحوية واللغوية.. الأخطاء التي لم يندم عليها أو يكترث بها ذات يوم بل ظل ماضياً كالعاصفة أو «كالثور الهائج» - كما وصفه كثيرون - في وجه من صادروا الحب والورد والفرح من حياته وحياة أمته العربية.

قلت لم يندم على شيء، فالعاصفة تحملُ في طياتها الحجارة واللآلئ والدبابيس والزهور والأحذية ولا تندم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا