• الاثنين 10 ذي القعدة 1439هـ - 23 يوليو 2018م

علاقتنا مع الآخر حكاية نعيشها عنّا وعن الآخر

الحب قصة.. فكيف تحكى؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 مارس 2018

د. هند السليمان

روبرت سترنبرج، البروفيسور في جامعة ييل العريقة، كتب ساخراً أنه وبسبب إرباكات الحب التي اختبرها، قرر التوجه إلى دراسة الحب بدل عيشه. ليخرج من هذا، بنظريتين: نظرية مثلث الحب ونظرية الحب كقصة. فهل كان سترنبرج يستخدم إحدى الحيل الدفاعية التي قال بها فرويد، التسامي؟ قد يكون. وإن كان، فهذا يخبرنا أن ليس كل الحيل الدفاعية سيئة، فبعضها قد تنقذنا شخصياً، بل وقد تنقذ الآخرين بما تقدمه من مفاهيم ووعي جديد. وهل هناك أجمل من حيلة دفاعية توصلك إلى تعريف للحب، وبنظريتين مختلفتين؟

نبتدئ عرض النظرية بمقولة لمارجريت أتوود «في نهاية الأمر، كلنا سنصبح مجرد قصة»، ولعلنا «قصة» حتى من قبل أن نصبح! في نظرية الحب كقصة، يرى سترنبرج أن الحب ما هو إلا تمثيل للحكاية التي نعيشها عنّا وعن الآخر وعن شكل علاقتنا به. الأفراد، بهذا المعنى، يعيشون الحياة كقصة يروونها لأنفسهم، فمن يروي قصته كقصة حزينة فإنه سيعيش حياته بما يعزز هذا الحزن، ومن يروي قصته وهي تحمل علامات استفهام متعددة، يسكنها أفراد لا يُعلم نواياهم فلعله سيعيش حياة مرتبكة بعلاقات مضطربة مع الآخرين، وهكذا. الأمر كذلك في القصص التي نحكيها لأنفسنا عن الحب، حبنا. تنطلق النظرية من المنحى الإدراكي في قراءة السلوك الإنساني، حيث تفسر سلوك الأفراد بتأثير ما يحملونه من مفاهيم أساسية تعد بمثابة صور نمطية أو إطارات عامة تحدد بشكل مبدئي تصورات معيّنه حول الأفراد، والذات، والمواقف.. الخ، فنحن، مهما ادعينا التحلل من الأفكار المسبقة، إلا أنه لا يمكننا وبشكل عملي التعامل مع كل ما يحيط بنا وكأنه كامل الجدة والأصالة، بل على العكس، كل ما نقابله هو امتداد لسابق خبرناه، ومن هنا، سنسعى لإيجاد مشترك لصنع حكم، يُسهل علينا التعامل مع كل المستجدات من حولنا.

أمزجة وتصورات

لكل قصة مزاجها وتصوراتها وسلوكها وأبطالها. القصة التي نحملها عن الحب، بهذا المعنى، قد تكون تعريفنا للحب، وبالتالي طريقتنا لعيش الحب. لا يعني هذا أن لكل فرد قصة واحدة فقط للحب، فقد تتداخل القصص، سواء القصص التي نعيشها شخصياً أو التي يعيشها شريكنا في الحب وفي القصة. ما يحدث هو أن القصص هذه، تقودنا للبحث عمن يملك قصة تتقارب مع قصتنا، أو من يكملها. ولأن القصص لا تنتهي فإننا قد نعيش قصص حب متعددة بحثاً عن «القصة التي تسكن وجداننا» سواء وعينا تلك القصة أم لا. نقع في الحب أكثر من مرة، فلعلنا لا نجد في قصة واحدة كفايتنا، نشعر أن شيئاً ما لا نعلمه ينقصنا، ينقص حياتنا، إنه قصتنا الأخرى المخفيّة أو لعله قصصنا الأخرى. قد نقابل شريكاً، وجوده وشخصيته وتجاربه تشكل مجالاً لعيش قصتنا، وقد تتناغم قصتانا فنعيش الحب كرقصة تانغو نتقدم خطوة ونتراجع خطوة في دائرة من الحلم. ولأن خيالنا واسع وطمعنا أكبر، فقد تلح علينا قصة أخرى، فنجد شريكاً آخر أكثر تناغماً لنرقص معه في دائرة القصة الجديدة. وهكذا، قد نستمر طوال العمر نتنقل بين دوائر أو نحلم بهذا التنقل. وهناك من المحظوظين الذي يقابل من تتناغم قصتُه مع قصتِه بشكل خلاّق، يجعلهما لا يريدان استبدال القصة بأي قصة أخرى، فتعيش قصة حبهما بطول مسيرتهما معاً. في المقابل، هناك من لا يمتلك سعة الخيال لقصص أخرى، وبالتالي تكون القصة الوحيدة التي يعيشها، مجالاً لشد ولجذب دون قدرة على البحث عن قصة أخرى.

قصص نموذجية

سترنبرج اختبر نظريته للحب عبر دراسات امبريقية، استطاع خلالها تقصي مئات القصص الواقعية عن الحب، ومن ثم الوصول إلى 25 قصة نموذجية للحب، قصص تختزل مفهوم الحب المتداول بين الناس وفقاً لدراسته على المجتمع الأميركي بثقافته وخبراته ونمط عيش أفراده. من المهم هنا، الإشارة إلى أن الحب الذي قرأنا عنه أعظم الأشعار والروايات وشاهدناه مجسداً سينمائياً وبكينا طرباً أو شوقاً أو حزناً حين اختبرناه، لا يمكن أن يختزل وبشكل قاطع إلى 25 نموذجاً. ولكن، هي الطريقة الأميركية البراجماتية في البحث عن إجابات مؤطرة وجاهزة تسهّل الحياة وتبسّطها بشكل حميمي ولطيف كما الشخصية الأميركية، أو بشكل متهور وساذج، وكما الشخصية الأميركية أيضاً. هذا الحذر، لا يمنع من الاطلاع على الجهد الذي قام به سترنبرج، فمن المؤكد أنه قد يكشف لنا جانباً للحب لا نعلمه.

على أيه حال، الخمس وعشرون قصة للحب كل منها تحمل تصوراً مختلفاً لطبيعة العلاقة وطبيعة الشريك وكذلك نوعية الأداء لكلا الطرفين. فتبعاً للقصة التي نحمل نحدد توقعاتنا من الشريك ومدى رضانا عن أدائه، وكذلك سلوكنا الملائم مع الشريك وتقييمنا للعلاقة. فمثلاً، إن كنت تعتقد أن «الحب تضحية»، فهذه هي قصة الحب لديك، وهي تحدد منظورك وتعريفك للحب، فمثلاً، عدم تضحية شريكك تعده نقصاً في حبه لك أو حتى مؤشراً على عدم حبه، في حين أنه قد يكون واقعاً في الحب إلا أنه يرى أن الحب لا يعاش من خلال التضحية لإثبات وجودة. هنا، ببساطة قصته تختلف عن قصتك.

فهل تختلف القصص باختلاف الأفراد جنساً وعمراً وثقافة؟ هل تحمل النساء قصصاً للحب تختلف عن قصص الرجال؟ وفقاً لسبرنبرج، لقصص الحب هذه تفضيلات، كما أن التفضيلات تأخذ بعداً جندرياً، حيث تفضل النساء النظر للحب كقصة سفر فيما يفضل الرجال أن ينظروا للحب كقصة فنية. ولعلنا هنا نتساءل: هل هذه النظرية تحاول إلباس مفهوم «توأم الروح» الرومانسي، لباساً علمياً؟ أي أن الحب هو إيجاد للآخر الذي يشكل توأماً إن كانت قصته للحب تتطابق وما أحمله من قصة للحب؟ ولكن أليس الحب منطقة بين العلم والإيمان، العلم الذي يقبض على بعض التغيّرات الفيزيقية في جسدنا، وأدمغتنا تحديداً، حين نحب، وكذلك الإيمان عبر اليقين الذي يمنحه الحب دون حاجة لقرائن مادية.

محاولة للتفسير

إن كان الجندر يلعب دوراً في هذه النظرية فماذا عن اختلاف البيئة الثقافية؟ لنحاول اختبار النظرية في بيئة وثقافة أخرى، فلعلها تمنحنا تفسيراً لظاهرة ما زالت محل جدل بين الباحثين، ونقصد هنا الحب العذري. الحب العذري كظاهرة حيّرت كثيراً من الباحثين في محاولة لاستقصائها وفهمها. ولعل من أهم الباحثين العرب المحدثين الذين شغلهم استقصاء هذه الظاهرة نتذكر صادق العظم وطه حسين والطاهر لبيب ورجاء بن سلامة. قراءتهم كانت تنطلق من محاولة للتحقق مِن وجود هؤلاء الشعراء العذريين، واشتراطات وجودهم، ليصل البعض منهم إلى إنكار وجودهم كحقيقة تاريخية. كما حاولوا تفسير معنى الحب العذري، وهل كان عذرياً فعلاً، وهل هو امتداد للحب الأفلاطوني؟ وهل ظهوره كان لعوامل سياسية اقتصادية كما يراه طه حسين، أم لعوامل اجتماعية كما يرى الطاهر لبيب؟ هنا، لا يهمنا التحقق من صحة وجود العذريين أو إلى أي درجة حافظوا على عذريتهم في الحب، فنحن لسنا «شرطة آداب». كمهتمين بالحقل السيكيولوجي، فإن ما يحركنا ليس المجال الواقع بل المجال المدرك. وعليه، باعتبار أن الناس تداولوا قصص الحب العذري وخلقوا أحاديث عن أبطاله، فهذه حقيقة، حقيقة إدراكية بالمعنى النفسي. أبطال الحب العذري من جميل بثينة إلى كثيّر عزة شخصيات تُشكّل تفاصيل حياتهم وعلاقتهم بحبيباتهم واقعاً وتصوراً للحب. ووفقاً للمفهوم النفسي، فإن تصوراتنا وإيماننا بما يحدث حولنا هو ما يصنع واقعنا. فبهذا حتى وإن كان هناك مجال للتشكك بالحقيقة التاريخية للحب العذري، إلا أن تبادل قصصه وأشعاره دليل على أن الناس في ذلك الوقت وتلك المنطقة، كانت تبحث عن هذا الشكل من الحب وتجد فيه سلواناً معيناً، وبهذا المعنى نعده «حقيقة تاريخية».

إرضاء الجمهور

فهل الحب العذري وظيفته، وفق هذا التصور، إرضاء الجمهور فقط؟ من الباحثين من فسر الحب العذري بتشكّل قيم جديدة في حياة أبناء الجزيرة العربية منبعها الدين الجديد، الإسلام، فكان الحب العذري طرحاً توافقياً بين أشكال العلاقات وتعدد أنواع الزواجات قبل الإسلام وما حدث بعد الإسلام من تصورات أكثر اختزالًا للعلاقة بين الشريكين، ليطرح الحب العذري شكلاً بريئاً وطاهراً للتعبير عن حب، لا يحمل «نجاسات بدن»، لا يرتضيها الدين الجديد. حب احتاجه المجتمع فقام بإيجاده.

لكن ماذا على مستوى الأفراد، ما دافعهم لعيش حب كهذا؟ حب ليس فيه إلا شكوى وبكاء وصد ومطاردة من الآخرين، لينتهي العاشق سقيماً شهيداً بسببه؟

ألا يكون الحب العذري إحدى قصص سترنبرج المجهولة، القصة السادسة والعشرون؟ في تلك القصة يكون الحب العذري حباً خالصاً ونقياً مجرداً من أي أهداف، فلا يسعى إلى اتصال جسدي ولا يسعى إلى زواج. فقط مجاورة الحبيب وإعلان هذا الحب على الملأ. تخبرنا القصص عن غضب بعض الحبيبات من أحبتهن لإعلانهم حبهم على الملأ، مما جعل إمكانية الزواج وفقاً للأعراف القبلية مستحيلة. فلماذا يُقدم من يُحب بذاك الشغف، على بناء جدار سيفصل بينه وبين محبوبته، وإلى الأبد؟ لا أظن أن في الأمر بحثاً عن شهرة، فمدح أحد زعماء القبائل قد يمنح الشهرة. هؤلاء الشعراء، المحبون العذريون، اختاروا شكل الحب الذي يعرفونه، اختاروا عيش قصة يروونها ويؤمنون أنها هي ما يعبر عن الحب، أن تحب بعيداً عن أي مطمع أناني، فلا تسعى لغاية جسدية كالجنس ولا غاية اجتماعية كالزواج. كل ما يريد هو الشكل النقي والبريء للحب. المحب وفق هذه القصة يرى الحب حالة عاطفية وروحانية تتحقق باستحضار الحبيبة اسماً أو وجوداً عيانياً، ويصبح الجنس ملوثاً لشكل الحب هذا.

لو اعتبرنا الشعر يحكي حياة العذريين، فالجنس بمنظورهم، مع الحبيب أو مع المرأة سلوك أناني يحقق رغبات الرجل دون اهتمام بأثره على المرأة، أما الحب دون سعي لجنس فيكشف عن رغبة خالصة بالحبيبة بذاتها، وليست رغبة شهوانية تتخفى وراء حجاب الحب. فكل ما يريده الحبيب هو عيش ذاك الحب وعدم التخلي عن المحبوبة رغم كل شيء، تصبح هذه القصة، كقصة أسطورية لأبطال ضحوا في سبيل ما آمنوا به. تداول هذه القصص يمنحها وهجاً وتصبح محفزاً لآخرين لعيش هذا الحب النبيل. ومن هنا فالحب، في المحصلة هو تجربة فردية تتم وفق إطار ثقافي. قد يكون الحب قصة، ولكن هي قصص تتنوع وتتداخل وبذات الوقت فمحتوى القصص ينطلق من معين ثقافة وقيم المجتمع ذاته.

ثلاثة نماذج

لفهم أوسع لنظرية سترنبرج، نستعرض نموذجين أو ثلاثة لقصص الحب كما يقدمها:

النموذج الأول، يُرى فيه الحب كرحلة سفر؛ لذا سيعرّف الحب وفق العبارات التالية: «أعتقد أنه في العلاقة الجيدة، يتغيّر الشريكان وينموان معاً. أعتقد أن الحب عملية ثابتة من الاكتشاف والنمو. أعتقد أن بداية العلاقة كما البدء في رحلة جديدة، مليئة بوعود للإثارة والتحدي». فيما، النموذج الثاني يُعرّف الحب كقصة فنتازية، فسيرى الحب وفق هذه التصورات: «أعتقد أن الحكايات الرومانسية الشائعة عن الحب يمكن أن تتحقق. أعتقد بوجود شخص مناسب لي بشكل مثالي. في علاقاتي العاطفية، أحب أن أنظر لشريكي كأمير/‏‏ أميرة». وأخيراً، هناك من يرون الحب كقصة فنية، لتصبح الجاذبية الفيزيقية في الشريك هي أكثر السمات أهمية فهذا ما يبحثون عنه في شركائهم. وهكذا، فكل قصة تحمل تصوراً وسيناريو يمكن اختزاله بعبارات محددة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا