• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

رؤية.. ورؤيا

تفكيك العقلانية التدميرية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 أبريل 2016

د. رسول محمد رسول

غالباً ما يولد الفيلسوف قبل أوانه، ففي عصر الاشتباك الثقافي والفكري والميداني المعقَّد الذي يولِّد الجهل بحالة العلم والوجود البشري، ترى الفيلسوف يعيش على نحو استشرافي لتدارك مخاطر ما يجري في ظل هيمنة (العقل التدميري) الذي يرجع إلى منطلقات منغلقة يبني بها سرديات شمولية مفكَّر فيها لتسود بحكمه وسلطته وجبروته.

في مطلع القرن الحادي والعشرين، أصبحنا نرى بشاعة العقلانية التدميرية (Destructive rationality) وهي تهيمن على وجودنا البشري في ظلِّ هزيمة العقل الإصلاحي التنويري الذي كان أمل البشرية في تجاوز أزمات لا معقول البشر والحضارة والثقافة في القرن العشرين وما بعده من عقود، إذ تبدو حالة العقلانية التدميرية هذه نتاجاً لأزمة العقل الكوني، ومنه العقل العربي والإسلامي، إنها تتويج لهزيمة العقل العربي القومي لمسببات معروفة، وإن كان يرتكز - هذا العقل - على عاطفة القوم التي لملمت شتات الأمة لزمن مضى، وتتويجاً أيضاً لهزيمة العقل الوطني بعد تحلُّل الدولة الوطنية الهشَّة في العالم العربي، وكذلك هو التتويج الحقيقي لهيمنة اغتراب الإنسان عن (أصله) كإنسان نحو حضور جهوي زائف قوامه النَّظر المشدود إلى ذات - هذا الإنسان - بأنها جهة عرقية، جهة مناطقية، جهة دينية - مذهبية فقط، حتى كان خروج الإنسان عن أصله الذي له كـ (إنسان) وبالاً عليه عندما سقط في فخ العقلانية التدميرية الجهوية التي يقودها اليوم (بطل الإفناء)، بل (بطل الانقتال) الذي صار همَّه إفناء وجوده وغيره بأبشع صور الإبادة.

لقد توسَّلت العقلانية التدميرية مبادئ العقل اللاهوتي بتأويلية تحريفية للمتن الدِّيني، خصوصاً أنها رجعت إلى مبادئ العقل التأويلي التكفيري، وهو عقل ضار منذ صدح بخطابه (أبو حامد الغزالي) في كتابه (تهافت الفلاسفة)، الذي كفَّر الفلاسفة وهم صوت العقلانية الكبير، ومنْ سار على نهجه وركبه تالياً من فقهاء الخراب والتدمير باسم العقيدة الدينية الإسلامية، وهو إشكال يقتضي حله بتفكيك وتقويض هذه التأويلية المريبة، وتحرير الباعث اللاهوتي من حمولات تفسيرية تراكمت على أصله النقي حتى صارت عمليات قتل الإنسان تتم بمقتضى تلك التأويلية اللاهوتية الفاسدة.

وليس بعيداً عن ذلك، استثمار دُعاة التدمير الإفنائي للعقل الأداتي الذي أمسى يتوسَّل التقنية التجريبية المحدثة في قتل الإنسان وإبادة حياته بشكل منحرف عن مسار التقنية الأصل ورسالتها الإنسانية بوصفها ولدت من أجل إطالة حياة الإنسان لا قطعها وإنهائها على نحو بشع.

إن صور هذا التكريس الإفنائي الذي تمارسه العقلانية التدميرية، إنما هو تكريس لا عقلاني (Irrational) باتت صوره مهيمنة ما يلقي على عاتق الفقيه والفيلسوف والمفكِّر والمثقف والفنان مهمة جوهرية لتفكيك هذا التكريس وتقويض انحرافه، وهو ما يتطلَّب تجديد زاوية النظر ضمن تفكيرنا بالذهاب إلى عقلانية نقدية (Critical rationalism) بديلة، عقلانية نقدية إنسانية تفكِّك خطاب العقلانيات التدميرية بالانفتاح النَّقدي عليها لإعادة العقل العربي، والعقل الإسلامي، والعقل القومي، والعقل الوطني، والعقل اللاهوتي، والعقل الأداتي، إعادة كل هذه المفاعيل إلى أصلها النقي قبل أن تتراكم عليها الحمولات الأيديولوجية، فالعقل العربي قوامه الإنسان بخصائصه، وتلك الخصائص ما وجدت مغلقة على نفسها، فهي ذات أصل تواصلي، وعملية تحجيرها في بوتقة معينة تعني قطعها عن عالم بشري مشترك. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف