• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

كم أنتَ مقدسٌ يا بيتَ الألواح!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 أبريل 2016

محمد الأسعد

لم تتعرض مكتبتي للحرق أو النهب أو الطمر في قيعان الآبار، مثلما حدث لمكتبات شهيرة، بدءاً بمكتبة مملكة «إيبلا»، مكتبة الآلاف المؤلفة من الألواح في شمال غرب سوريا، في الألف الثالث ق.م، مروراً بمكتبة الإسكندرية (48 ق.م)، فمكتبة نوح الساماني في بخارى، فمكتبة الحكم المستنصر بالله في قرطبة في أوقات متقاربة من القرن العاشر الميلادي، فمكتبة قلعة «آلموت» الهائلة، وصولاً إلى مكتبة بغداد التي صبغ حبرها كما قيل مياه دجلة بالسواد (1256م- 1258م)، ولا تعرضت كتبي للحرق كما حدث مع كتب ابن رشد حين غضب عليه الخليفة الموحدي يوسف بن تاشفين في سنة من سنوات القرن الثاني عشر في قرطبة، ولا أمسكت بي عصابة من الهمج وأنا عائد من محاضرة وسحلتني عارياً في الشوارع حتى تقطع جسدي مثلما فعلت عصابة مشابهة بمدرّسة الرياضيات والفلسفة الإسكندرانية «هيباثيا» في عام 415 م.

لم يحدث شيء من هذا، إلا أن عدداً لا يستهان به من كتب مكتبتي المتواضعة (6 آلاف كتاب)، وبضعة تماثيل منها نسخة عن تمثال الشاعر السومري «جوديا»، تعرض في العام 1991 للإقامة في فناء بيت مكشوف مدة زمنية تصل إلى عقد من السنوات، معرضاً للمطر والريح والغبار وحرارة الشمس اللاهبة، لا تغطيه سوى قطعة خيش تتلاعب بها الريح، في وقت اتخذتُ فيه سمة الشريد مرغماً، أتنقل من بلد إلى آخر طلباً للأمن والأمان، لي ولزوجي ولطفليّ حاملي اسمين قدستهما حضارات غابرة.

حدث هذا إثر الغزو العراقي للكويت، موطن إقامتي، حين لم يعد من مفر أمامي إلا الرحيل، فحتى النهارُ لم يعد آمناً، ولم تعد أحاديثُ ونقاشاتُ آلاف الأصدقاء، من روائيين وفلاسفة وشعراء وتشكيليين ومؤرخين وعلماء، تُسمع في أرجاء مكتبتي، بعد أن أصيبت الكتبُ بالصمتِ والذهول، وتحوّلت إلى آنيةٍ لا تصدر حتى الرنين.

وظلّ مطرُ الشتاء يتساقط، ويتلوه قيظُ الصيف، فتتحوّل الأوراقُ الرطبة إلى جذاذاتٍ مهترئة. ويتذكر الشريدُ/‏‏الطفلُ، في مطارٍ غريب أو زاوية مقهى أو حجرة باردة، صوت أبيه يصله متغنياً بأبيات من تغريبة بني هلال، أو طالباً منه أن يقرأ له صفحات من كتاب لأن نظره لم يعد يسعفه، فيقرأ من دون أن يفقه معنى لما يقرأ، ولا يفسر له أبوه شيئاً، إلا أنه يتذكر الآن عبارة أو عبارتين اتضح له معناهما بعد سنوات طويلة، تقول العبارتان: «.. فوجدها مهرة لم تُركب، ودرّة لم تُثقب». ويعود بالذاكرة، فيتساءل إن كانت هاتان العبارتان من قصص ألف ليلة وليلة أو من كتاب آخر، ولماذا لم يبق في الذاكرة من ذلك الكتاب سوى هاتين العبارتين؟

مكتبات ليست للقراءة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف